فهرس الكتاب
أعزنا اللّه وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببناه ، وإن تكن الأخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا ..
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرا. وقال: «أو يقضي اللّه خيرا من ذلك يا سعد» . فلما فرغ سعد من المشورة قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: «سيروا على بركة اللّه ، فإن اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين.
واللّه لكأني أنظر إلى مصارع القوم» .. فعلم القوم أنهم إنما يلاقون القتال وأن العير تفلت ورجوا النصر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن يومئذ عقد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الألوية. وهي ثلاثة ، لواء يحمله مصعب بن عمير. ورايتان سوداوان. إحداهما مع علي ، والأخرى مع رجل من الأنصار (هو سعد بن معاذ) وأظهر السلاح .. وكان خرج من المدينة على غير لواء معقود.
... ونزل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أدنى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشر مضت من رمضان ، فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو رضي اللّه عنهم يتحسسون على الماء. وأشار لهم إلى ظريب (تصغير ظرب وهو الجبل الصغير المنبسط في حجارة دقاق) وقال: أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب الذي يلي الظرب. فوجدوا على تلك القليب روايا قريش فيها سقاؤهم (الروايا من الإبل حوامل الماء وسقاء جمع سقاء) فأفلت عامتهم - وفيهم عجير - فجاء قريشا ، فقال: يا آل غالب ، هذا ابن أبي كبشة (يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ) وأصحابه قد أخذوا سقاءكم. فماج العسكر وكرهوا ذلك ، والسماء تمطر عليهم. وأخذ تلك الليلة أبو يسار غلام عبيدة بن سعيد بن العاص ، وأسلم غلام منبه بن الحجاج ، وأبو رافع غلام أمية بن خلف ، فأتي بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي. فقالوا: نحن سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهم فضربوهم. فقالوا: نحن لأبي سفيان ، ونحن في العير! فأمسكوا عنهم! فسلم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وقال: «إن صدقوكم ضربتموهم ، وإن كذبوكم تركتموهم!» ثم أقبل عليهم يسألهم ، فأخبروه أن قريشا خلف هذا الكثيب ، وأنهم ينحرون يوما عشرا ويوما تسعا ، وأعلموه بمن خرج من مكة. فقال - صلى الله عليه وسلم -: القوم ما بين الألف والتسعمائة. وقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها» .
واستشار أصحابه في المنزل ، فقال الحباب بن المنذر بن الجموح .. انطلق بنا إلى أدنى بئر إلى القوم.
فإني عالم بها وبقلبها. بها قليب (أي بئر قديمة لا يعلم من حفرها) قد عرفت عذوبة مائه ، وماء كثير لا ينزح.
ثم نبني عليها حوضا ، ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ونعور ما سواها من القلب. فقال: يا حباب أشرت بالرأي (و في رواية ابن هشام عن ابن إسحاق أن الحباب بن المنذر قال: يا رسول اللّه ، هذا المنزل أمنزلا أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو