أن يريهم مدى الفرق بين ما أرادوه هم لأنفسهم من الظفر بالعير وما أراده اللّه لهم ، وللبشرية كلها من ورائهم من إفلات العير ، ولقاء النفير. ليروا على مد البصر مدى ما بين إرادتهم بأنفسهم وإرادة اللّه بهم ولهم من فرق كبير! لقد بدأت السورة بتسجيل سؤالهم عن الأنفال وبيان حكم اللّه فيها وردها إلى اللّه والرسول ودعوتهم إلى تقوى اللّه ، وإصلاح ذات بينهم - بعد ما ساءت أخلاقهم في النفل كما يقول عبادة بن الصامت - ودعوتهم إلى طاعة اللّه وطاعة الرسول ، وتذكيرهم بإيمانهم وهذا مقتضاه. ورسم للمؤمنين صورة موحية تجف لها القلوب: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. قُلِ: الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» ..
ثم جعل يذكرهم بأمرهم وتدبيرهم لأنفسهم وتدبير اللّه لهم ، ومدى ما يرونه من واقع الأرض ومدى قدرة اللّه من ورائه ومن ورائهم: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ، وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ، كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ. لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ» ..
ثم ذكرهم بما أمدهم به من العون ، وما يسره لهم من النصر ، وما قدره لهم بفضله من الأجر: «إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى ، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ، وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ، وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ ، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ ، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ ، وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ» .
وهكذا يمضي سياق السورة في هذا المجال يسجل أن المعركة بجملتها من صنع اللّه وتدبيره بقيادته وتوجيهه.
بعونه ومدده. بفعله وقدره. له وفي سبيله .. ومن ثم تجريد المقاتلين ابتداء من الأنفال وتقرير أنها للّه وللرسول ، حتى إذا ردها اللّه عليهم كان ذلك منا منه وفضلا. وكذلك يجردهم من كل مطمع فيها ومن كل مغنم ، ليكون جهادهم في سبيله خالصا له وحده .. فترد أمثال هذه النصوص: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ