فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 1681

به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال: «الجنة» . قالوا: ربح البيع ، ولا نقيل ولا نستقيل».

ولقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول اللّه هذه البيعة ولا يرتقبون من ورائها شيئا إلا الجنة ويوثقون هذا البيع فيعلنون أنهم لا يقبلون أن يرجعوا فيه ولا أن يرجع فيه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ! يعلمون أنهم لا يبايعون على أمر هين بل كانوا مستيقنين أن قريشا وراءهم ، وأن العرب كلها سترميهم وأنهم لن يعيشوا بعدها في سلام مع الجاهلية الضاربة الأطناب من حولهم في الجزيرة وبين ظهرانيهم في المدينة.

ومن رواية ابن كثير في كتابه: «البداية والنهاية» : «قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ابن خيثم ، عن أبي الزبير ، عن جابر. قال: مكث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين ، يتبع الناس في منازلهم .. عكاظ والمجنة .. وفي المواسم ، يقول: «من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة» . فلا يجد أحدا يؤويه ولا ينصره. حتى إن الرجل ليخرج من اليمن ، أو من مضر - كذا قال فيه - فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك. ويمضي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا اللّه إليه من يثرب ، فآويناه وصدقناه ، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ، ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه ، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام. ثم ائتمروا جميعا ، فقلنا: حتى متى نترك رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة ، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين ، حتى توافينا. فقلنا: يا رسول اللّه علام نبايعك؟ قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، والنفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن تقولوا في اللّه لا تخافوا في اللّه لومة لائم ، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ، ولكم الجنة» . فقمنا إليه وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي - وهو أصغر السبعين - إلا أنا. فقال: رويدا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول اللّه ، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة ، وقتل خياركم ، وتعضكم السيوف.

فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على اللّه ، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه ، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند اللّه .. قالوا: أبط عنا يا أسعد! فو اللّه لا ندع هذه البيعة ، ولا نسلبها أبدا! قال: فقمنا إليه ، فبايعناه ، وأخذ علينا وشرط ، ويعطينا على ذلك الجنة» (و قد رواه الإمام أحمد أيضا والبيهقي من طريق داود بن عبد الرحمن العطار - زاد البيهقي عن الحاكم - بسنده إلى يحيى بن سليم كلاهما عن عبد اللّه بن عثمان بن خيثم عن أبي إدريس به نحوه. وهذا إسناد جيد على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت