فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 1681

الشاب الفاتن الذي وضعه عزيز مصر في قصره ، وخلّى بينه وبين أهله ، فأذلت نفسها له ، بمراودته عن نفسه فاستعصم وأبى وآثر مرضاة ربه ، فشاع في مصر دورها وقصورها ذلها له ، وإباؤه عليها كما قال سبحانه « وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ » .

وقد ذكرنها بالوصف (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) دون الاسم الصريح استعظاما لهذا الأمر منها ، ولا سيما وزوجها عزيز مصر أو رئيس حكومتها ، وقد طلبت الفاحشة من مملوكها وفتاها الذي هو في بيتها وتحت كنفها ، وذلك أقبح لوقوعها منها ، وهى السيدة وهو المملوك وهو التابع وهى المتبوعة ، وقد جرت العادة بأن نفوس النسوة تعزف عن مثل هذه الدناءة ولا ترضى لنفسها بهذه الذلة التي تشعر بالمساواة لا بالسيادة ، وبالضعة لا بالعظمة وللّه في خلقه شئون.

وقد تضمن وصف النسوة لها بهذا الوصف أنها لم تقتصد في حبها ولا في طلبها.

أما الأولى فقولهن فيها: « قَدْ شَغَفَها حُبًّا » أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها (الغشاء المحيط به) وغاض في سويدائه كما قال شاعرهم:

اللّه يعلم أن حبّك منّى في سواد الفؤاد وسط الشغاف

وأما الثاني فقولهن: « تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ » .

فلما سمعت بهذا المكر القولى قابلتهن عليه بمكر فعلىّ فقد جمعتهن وأخرجته عليهن ، فلم يشعرن إلا وأحسن خلق اللّه قد طلع عليهن بغتة ، فراعهن ذلك الحسن الفتّان ، وفى أيديهن مدى يقطعن بها مما يأكلنه فقطّعن أيديهن وهن لا يشعرن بما فعلن مأخوذات بذلك الحسن كما جاء في قوله سبحانه: « فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ. قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ، وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ » .

فلما هددته بالسجن والإذلال بعد أن هتك سترها وكاشفت النسوة في أمرها وتواطأن معها على كيدها - آثر عليه السلام الاعتقال في السجن على ما يدعونه إليه من الفحش والخنا: « قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ. فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » .

وإنه ليستبين من هذا القصص أن امرأة العزيز كانت مالكة لقياد زوجها الوزير الكبير ، تصرفه كيف شاءت وشاء لها الهوى ، إذ كان فاقدا للغيرة كأمثاله من كبراء لدنيا صغار الأنفس عبيد الشهوات.

قال في الكشاف عند ذكر ما رأوا من الشواهد الدالة على براءته: وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها ، وفتلها منه في الذروة والغارب ، وكان مطواعة لها ، وجملا ذلولا زمامه في يدها ، حتى أنساه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت