فهرس الكتاب
الذي ينبغي أن يكون هو النموذج الأعلى للأداء الفني الإسلامي - لم يتخل عن طابعه النظيف مرة واحدة - حتى وهو يصور لحظة التعري النفسي والجسدي الكامل بكل اندفاعها وحيوانيتها - لينشىء ذلك المستنقع الكريه الذي يتمرغ في وحله كتاب «القصة الواقعية» وكتاب «القصة الطبيعية» في هذه الجاهلية النكدة بحجة الكمال الفني في الأداء! «وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ، ولنعلمه من تأويل الأحاديث ، واللّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ، وكذلك نجزي المحسنين. وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ، وغلّقت الأبواب وقالت: هيت لك! قال: معاذ اللّه! إنه ربي أحسن مثواي ، إنه لا يفلح الظالمون. ولقد همّت به وهم بها ، لولا أن رأى برهان ربه. كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ، إنه من عبادنا المخلصين.
واستبقا الباب ، وقدّت قميصه من دبر ، وألفيا سيدها لدى الباب ، قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم؟! قال: هي راودتني عن نفسي ، وشهد شاهد من أهلها: إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين. فلما رأى قميصه قدّ من دبر قال: إنه من كيدكن ، إن كيدكن عظيم! يوسف أعرض عن هذا ، واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين! .. وقال نسوة في المدينة: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه! قد شغفها حبا! إنا لنراها في ضلال مبين! فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن ، وأعتدت لهن متكأ ، وآتت كل واحدة منهن سكينا ، وقالت: اخرج عليهن! فلما رأينه أكبرنه ، وقطّعن أيديهن ، وقلن: حاش للّه! ما هذا بشرا ، إن هذا إلا ملك كريم. قالت: فذلكن الذي لمتنني فيه! ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين. قال: رب ، السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين. فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ، إنه هو السميع العليم» ..
وكذلك حين نلتقي بها مرة أخرى بعد ما دخل يوسف السجن بسبب كيدها وكيد النسوة وبقي هناك حتى رأى الملك رؤياه ، وتذكر الفتى الذي كان سجينا معه أن يوسف هو وحده الذي يعرف تأويل الرؤيا ، فطلب الملك أن يأتوه به ، فأبى حتى يحقق قضيته ، ويبرىء ساحته ، فاستدعاها الملك مع النسوة. وإذا بها ما تزال المرأة المحبة ، مع التغير الطبيعي الواقعي الذي يحدثه الزمن والعمر والأحداث والظروف ومع تسرب الإيمان الذي تعرفه من يوسف من خلال تلك المشاعر والمؤثرات جميعا: «وقال الملك: ائتوني به. فلما جاءه الرسول قال: ارجع إلى ربك فاسأله: ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم. قال: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: حاش للّه! ما علمنا عليه من سوء.