فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 1681

وذلك إلى بعض صور المجتمع الجاهلي في طبقة العلية من الملأ: في البيت والسجن والسوق والديوان - في مصر يومذاك. والمجتمع العبراني ، وما يسود العصر من الرؤى والتنبؤات.

وتبدأ القصة بالرؤيا يقصها يوسف على أبيه ، فينبئه أبوه بأن سيكون له شأن عظيم ، وينصحه بألا يقصها على إخوته كي لا يثير حسدهم فيغريهم الشيطان به فيكيدون له .. ثم تسير القصة بعد ذلك ، وكأنما هي تأويل للرؤيا ولما توقعه يعقوب من ورائها حتى إذا اكتمل تأويل الرؤيا في النهاية أنهى السياق القصة ، ولم يسر فيها كما سار كتّاب «العهد القديم» بعد هذا الختام الفني الدقيق ، الوافي بالغرض الديني كل الوفاء.

وما يسمى بالعقدة الفنية في القصة واضح في قصة يوسف. فهي تبدأ بالرؤيا كما سبق ، ويظل تأويلها مجهولا ، يتكشف قليلا قليلا ، حتى تجيء الخاتمة فتحل العقدة حلا طبيعيا لا تعمّل فيه ولا اصطناع! والقصة مقسمة إلى حلقات. كل حلقة تحتوي جملة مشاهد. والسياق يترك فجوات بين المشهد والمشهد يملؤها تخيل القارئ وتصوره ، ويكمل ما حذف من حركات وأقوال ، مع ما في هذا من تشويق ومتاع ..

وحسبنا هذا القدر من التحليل الفني لقصة يوسف ، وتمثيلها للمنهج القرآني الإسلامي في الأداء. وفي هذا القدر ما يكشف عن مدى الإمكانيات التي يعرضها هذا المنهج للمحاولات البشرية في الأدب الإسلامي ، لتمكينه من الأداء الفني الكامل والواقعية الصادقة السليمة ، دون أن يسف أو يحتاج إلى التخلي عن النظافة اللائقة بفن يقدم ل «الإنسان» !

وتبقى وراء ذلك كله عبرة القصة وقيمتها في مجال الحركة الإسلامية وإيحاءاتها المتوافية مع حاجات الحركة في بعض مراحلها. ومع حاجاتها الثابتة التي لا تتعلق بمرحلة خاصة منها. إلى جانب الحقائق الكبرى التي تتقرر من خلال سياق القصة ، ثم من خلال سياق السورة كلها بعد ذلك. وبخاصة تلك التعقيبات الأخيرة في السورة ..

ونكتفي في هذا التقديم للسورة بلمحات سريعة من هذا كله:

لقد أشرنا في مطالع هذا التقديم إلى مناسبة قصة يوسف بجملتها للفترة الحرجة التي كانت تمر بها الحركة الإسلامية في مكة عند نزول السورة ، وللشدة التي كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه يتعرضون لها. وذلك بما تحمل القصة من عرض لابتلاءات أخ كريم للنبي الكريم ثم بما تحمله بعد ذلك من استفزاز من الأرض ثم تمكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت