فهرس الكتاب

الصفحة 816 من 1681

واستوجب ذبح الأطفال إلقاء موسى في اليم ، والتقاط آل فرعون له ، ثم رده إلى أمه ، ثم تربيته في قصر فرعون ، إلى أن بلغ أشده وصار رشيدا قويا ، فقتل قبطيا قتلا خطأ ، فهرب من مصر إلى أرض مدين ، فتزوج بابنة شعيب عليه السلام ، ومكث راعيا ماشيته عشر سنين ، ثم عاد إلى مصر ، فناجى ربه في الطور ، وأيده اللّه بمعجزات أهمها معجزة العصا واليد ، فبلغ رسالة ربه ، لكن كذبه فرعون وقومه علوا واستكبارا ، فأغرقهم اللّه في البحر. وذلك شبيه بإنكار قريش نبوة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - مع ما جاءهم به من الحق ، فوصفوه بالسحر المفترى ، وتنكروا للإيمان برسالته بأعذار واهية ، فأنذرهم القرآن بعذاب مماثل لقوم فرعون ، وأبان لهم أن اللّه لا يعذب قوما إلا بعد إرسال رسول إليهم ، وأن الرسول باختيار اللّه تعالى لا بحسب أهواء المشركين ، وأن آلهتهم المزعومة ستتبرأ من عبادتهم يوم القيامة ، وأن اللّه هو الإله الواحد الذي لا شريك له ، وأنه القادر على بعث الأموات ، كما قدر على بدء الخلق ، وإيجاد تعاقب الليل والنهار. وسيشهد الأنبياء على أممهم بتبليغ رسالات ربهم ، وقد آمن جماعة من أهل الكتاب ، وسيعطون أجرهم مرتين ، وأن الهداية بيد اللّه تعالى ، لا بيد رسوله ، فلن يتمكن من هداية من أحب.

وأعقب ذلك بقصة مشابهة هي قصة قارون من قوم موسى واعتماده على طغيان الثروة والمال كاعتماد فرعون على طغيان السلطة والحكم ، فكان مصيره أشأم من مصير فرعون وهو الخسف به وبداره الأرض ، فما كان له من فئة ينصرونه وما كان من المنتصرين.

وكل من خبر القصتين برهان قاطع على صحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه لم يكن حاضرا معهم ، ولم يتعلم ذلك من معلم.

وختمت القصتان بإعلان مبادئ:

أولها - أن ثواب الآخرة يكون للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا.

وثانيها - أن الإيمان باللّه وباليوم الآخر هو طريق السعادة الموجب لمضاعفة الحسنات ومقابلة السيئات بجزاء واحد ، وتحقيق النصر لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على أعدائه ، وعودته إلى مكة فاتحا بعد تهجيره منها.

وثالثها - بيان نهاية العالم كله وهي الهلاك الشامل ، وانفراد اللّه تعالى بالبقاء والدوام ، والحكم والحساب ، ورجوع البشر كافة إليه: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ونحوها: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن 55/ 25 - 26] . [1]

هذه السورة مكية على الأصح ، ولذا تراها تعلم المسلمين وقت أن كانوا يسامون الخسف والعذاب من المشركين: أن النصر من عند اللّه ، وأن الأمن في جوار اللّه ، وأن الكفار مهما كانوا على جانب من

(1) - التفسير المنير ـ موافقا للمطبوع - (20 / 51) و تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (20 / 30)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت