فهرس الكتاب

الصفحة 837 من 1681

ثم تجىء بعد هذا سورة « الروم » هذه ، فتعرض مشهدا من الواقع ، ونخبر عن حدث مشهود ، يراه المسلمون والمشركون ، يومئذ ، وهو تلك الحرب التي وقعت بين الروم والفرس ، والتي انتصر فيها الفرس ، وهم عبدة أوثان ، على الروم وهم أهل كتاب ، كان ذلك ، والحرب على أشدّها بين المشركين والمسلمين في مكة ، وقد كانت الدولة للمشركين ، حيث كانوا هم الكثرة ، وأصحاب القوة والجاه ، على حين كان المسلمون قلّة قليلة ، أغلبها من المستضعفين ، من الإماء والعبيد ، وكان أقوى المسلمين قوة ، وأعزّهم نفرا ، من يستطيع أن يفلت من يد القوم ، ويخرج فارّا بدينه ، تاركا كل شىء وراءه!!

فى هذا الوقت جاءت الأنباء إلى أهل مكة تحدّث بتلك الحرب الدائرة بين الفرس والروم ، وبأن الغلبة كانت للفرس ، وكان لذلك فرحة في نفوس المشركين ، لم يستطيعوا أن يمسكوا بها في كيانهم ، بل انطلقوا يردّدونها فيما بينهم ، ويديرون أحاديثها على أسماع المسلمين ، استهزاء وسخرية وشماتة ، إذ كان المسلمون يمثلون الروم ، الذين يؤمنون بكتاب سماوى ، على حين كان المشركون يمثلون الفرس ، عبدة النار .. وأما وقد غلب عبدة النار أهل الكتاب ، فإن عبدة الأصنام المشركين ستكون لهم الغلبة دائما على الذين اتبعوا محمدا ، وآمنوا بالكتاب الذي معه ، وأن ما يعدهم به الكتاب الذي في أيديهم من نصر وعزّة ، ليس إلا خداعا ووهما كاذبا ، وأن فيما وقع بين الفرس والروم ، وما كان من انتصار الفرس على الروم لهو شاهد بيّن ، لا تدفع شهادته ... وإذن فإن ما يدّعى بأنه كتب سماوية من عند اللّه ـ قديما وحديثا ـ هو مجرد كذب وافتراء .. إذ لو كانت هذه الكتب من عند اللّه لما خذل أتباعها أبدا ... وإلا فأين اللّه وقد خذل أتباع كتبه ؟ هكذا كان تفكير المشركين وتقديرهم.

وقد وجد المسلمون في أنفسهم شيئا من الأسى لتلك الهزيمة التي حلّت بالروم ، ثم ضاعف ذلك الأسى ، وزاد في مرارته ما كان يلقاهم به المشركون من كلمات ساخرة ، ونظرات شامتة .. ذلك والمسلمون قد كانت تنزف جراحاتهم دما ، من طعنات المشركين لهم ، في أجسامهم ، ومشاعرهم ...على السواء.

وفى كل موقف يشتد فيه البلاء على المؤمنين ، وتضيق فيه عليهم الأرض بما رحبت ، تطلع عليهم آية من آيات اللّه ، فتمسك بسفينتهم المضطربة ، وتنتزعها من يد العاصفة المجنونة المشتملة عليها ، وإذا الأمن والسلامة يحفّان بهم ، وإذا هم وقد ظفروا ، وغنموا ، وانقلبوا بنعمة من اللّه وفضل ، لم يمسسهم سوء!!

ومن هذه الآيات الأولى التي تنزلت بها سورة « الرّوم » وجد المسلمون ربح رحمة اللّه ، في هذا الوعد الكريم ، وفى تلك البشرى المسعدة التي ساقنها إليهم بين يديها.

وحفّا قد غلبت الرّوم في هذه المعركة ، وليس بالمستبعد أن يغلب المؤمنون في معركة أو أكثر من معاركهم مع المشركين ، ولكن العاقبة أبدا للمؤمنين .. ولقد غلبت الروم في هذه المعركة ، ولكن الصراع لم ينته بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت