الثاني - إن الاستدلال في هذه السورة على أصول الاعتقاد وأهمها التوحيد جاء مفصلا للمجمل في السورة السابقة مثل قوله تعالى: أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [19] فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [20] .
الثالث - ترتب على التفرقة بين المشركين وأهل الكتاب في السورة المتقدمة أن أبغض المشركون أهل الكتاب ، وتركوا مراجعتهم في الأمور ، وكانوا من قبل يراجعونهم في الأمور ، وسبب البغضاء أن المشركين في جدالهم نسبوا إلى عدم العقل: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [63] وطلب مجادلة أهل الكتاب بالحسنى وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [46] وكان أهل الكتاب يوافقون النبي في الإله ، كما قال تعالى: وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ [46] .
فلما غلب أهل الكتاب حين قاتلهم الفرس المجوس ، فرح المشركون بذلك ، فأنزل اللّه تعالى أوائل سورة الروم لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق ، وإنما قد يريد اللّه تعالى مزيد ثواب في المحب ، فيبتليه ويسلط عليه الأعادي ، وقد يختار للمعادي تعجيل العذاب الأدنى ، دون العذاب الأكبر يوم القيامة.
مشتملات السورة:
افتتحت السورة بإثبات النبوة بالإخبار بالغيب ، وهو انتصار الروم على الفرس في حرب تقع بينهما في غضون بضع سنوات (من 3 - 9 سنوات) ووقع الخبر كما أخبر القرآن ، وتلك معجزة القرآن تثبت صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتتضمن البشارة بنصر جند الرحمن على حزب الشيطان.
ثم ذكرت أدلة الوحدانية وعظمة القدرة الإلهية بالتأمل في صفحة الكون والنظر في خلق السموات والأرض ، والاعتبار بمأساة المكذبين الغابرين وعاقبتهم السيئة ، وأردف بعدها أدلة البعث ، والأمر بعبادة اللّه وحده ، وذلك مقتضى الفطرة التي فطر الناس عليها.
ونوقش فيها المشركون وضربت لهم الأمثال في أن الشركاء ضعفاء عاجزون لا يملكون لأنفسهم يوم القيامة نفعا ، ولا يتمكنون دفع الضر عن أحد ، ولا يستطيعون خلق شيء وإيجاده ولا إمداد أحد بالرزق. وكشف القرآن حقيقة حال المشركين كما ذكر في السورة المتقدمة وهي لجوءهم إلى اللّه وقت الضر ، وإشراكهم به وقت الرخاء ، وأميط اللثام عن طبيعة الإنسان وهي الفرح بالنعمة ، والقنوط حين الشدة إلا من آمن وعمل صالحا.
ونهى اللّه تعالى عن اتباع المشركين وغيرهم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، ثم أمر تعالى بالتصدق على ذوي القربى والمساكين وابن السبيل ، واجتناب أكل الربا ، وتنمية المال بوجوه الحلال وتطهيره بالزكاة.
ثم قارنت السورة بين مصير المؤمنين في روضات الجنان فضلا من اللّه تعالى ، ومصير الكافرين في نيران الجحيم جزاء أعمالهم وكفرهم ، وحينئذ تظهر فائدة الإيمان والخير ، وظلام الكفر والشر.