فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 1681

وثانيهما: إقامة شريعة في تلك المواطن التي قام فيها الإيمان ، حتى تثبت أصوله ، وتطلع ثمراته ، فيكون منها زاد طيب لأهل الإيمان ، يعيشون فيه ، وتطيب لهم وللناس الحياة معه ..

ولتحقيق الأمر الأول ، كانت معركة الإسلام الأولى منحصرة في ميدان الشرك .. ومن هنا كانت آياته التي تنزل في هذه المرحلة من مراحل الدعوة ، جندا مرسلة من اللّه ، تدكّ معاقل الشرك ، وتهدم حصونه ، وتفتح للعقول والقلوب ، الطريق إلى اللّه ..

وقد استغرقت هذه المرحلة الجزء الأكبر من الدعوة الإسلامية ، في إقامة الحجج على وجود اللّه ، وكشف البراهين على وحدانيته ، وما له سبحانه من صفات الكمال والجلال .. ثم في فضح الشرك ، وتعرية آلهة المشركين من كل ما ألقوه عليهم من أوهام وضلالات ..

وفي أثناء هذا الدور كانت تتنزل بعض الآيات في الدعوة إلى مكارم الأخلاق ، وفي إقامة مشاعر الناس على الأخوة الإنسانية ، وعلى الصبر ، والرفق ، والإحسان إلى غير ذلك مما يليق بمن يعرف اللّه ، ويؤمن به ، ويدخل في زمرة عباده الذين يبتغون مرضاته ، ويرجون وحمته ..

فلما انكسرت شوكة الشرك ، وأوشكت دولته أن تدول ، أخذت آيات اللّه تتنزل بأحكام الشريعة التي تقوم عليها الحياة الروحية والمادية لهذا المجتمع الذي آمن باللّه ، وأجلى الشرك من موطنه ، فكان ما ينزل من آيات اللّه في هذا الدور ، يكاد يكون مقصورا على بناء أحكام الشريعة ، من عبادات ، ومعاملات ، وحدود ، ومن سلم ، وحرب ، وغنائم ، وغير ذلك مما ينتظمه قانون الشريعة الإسلامية ..

وكان من مقتضيات حكمة الشريعة القائمة على اليسر ، ورفع الحرج ، أن جاءت كثير من أحكام الشريعة متدرجة في تكاليفها من السهل إلى الصعب ، لأنها كانت تتعامل مع أناس قطعوا شطرا كبيرا من حياتهم في الجاهلية ، ورسب في نفوسهم ، واختلط بمشاعرهم كثير من ضلالاتها ..

فكان مما اقتضته الحكمة الإلهية أخذ هؤلاء الذين لقيهم الإسلام على أول دعوته ـ بالرفق ، والتلطف ، حتى بألفوا هذا الدين ، ويتعقلوا أحكامه ، ويأخذوا أنفسهم بها .. ولو أخذوا بغير هذا الأسلوب ، لتغير موقفهم من الشريعة ، ولما أحدثت فيهم هذه الآثار العظيمة التي أخرجت منهم خير أمة أخرجت للناس.

هذا هو الخطّ الذي قامت عليه سيرة الدعوة الإسلامية ، وعلى هذه المسيرة كانت تتنزل آيات اللّه بالزاد الذي تحتاج إليه كل مرحلة .. حتى كانت آخر آية نزلت من كتاب اللّه ، كانت الدعوة قد بلغت غايتها ، وآتت الثمر المرجو منها .. فنزل قوله تعالى: « إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ .. إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا » مؤذنا بمصافحة السماء للأرض ، مصافحة وداع ، بعد أن أودعت فيها هذا الزاد العتيد .. ثم كانت آية الختام: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا » !.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت