الصفحة 156 من 164

وكأن الله قال لهم: ما نفاه قياس عقولكم مما اختلفتم فيه فانفوه، وإليه (أي العقل) فارجعوا عند التنازع، فإنه هو الحق الذي تعبَّدتُكُم به، وما كان مذكورًا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا فاعلموا أني ممتحنكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه، ولكن لتجتهدوا في تحريفه على شواذّ اللغة، ووحشيّ الألفاظ وغرائب الكلام.

وما أشبه حال هؤلاء بقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا 60 وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا 61 فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء61] .

فإن هؤلاء إذا دُعُوا إلى ما أنزل الله من كتاب وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا علمًا وعملًا بهذه الطريق التي سلكناها والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية:

فيقال لهم: يا سبحان الله، كيف لم يقل الرسول يومًا من الدهر ولا أحد من سلف الأمة هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم فإنه الحق.

ثم الرسول قد أخبر بأن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة، ثم قال"إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله".

وقال في صفة الفرقة الناجية"من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"فهل قال: من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت