وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب"التأويلات"وذكرها الفخر الرازي في كتابه الذي سماه"تأسيس التقديس"ويوجد كثير منها في كلام كثير غير هؤلاء [كالمعتزلة] مثل أبي علي الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري، التي ذكرها بشر المريسي في كتابه.
التأويل بين الخلف والسلف
ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته العلا، ويحرّفون الكلم عن مواضعه، فإن من حرّفوا لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثّلوا أولًا وعطلوا آخرًا، فهذا تشبيه وتمثيلٌ منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاته، وتعطيلٌ لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة به.
ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين في أمر مريج، فإن من ينكر الرؤية زعم أن العقل يحيلها، وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علمًا وقدرةً يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.
ويكفيك دليلًا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوّز أو أوب ما يدّعي الآخر: أن العقل أحاله.