وأما قولكم بأزلية صفات الله الفعلية فإنه يؤدي إلى القول بأزلية المفعولات، لأننا إذا قلنا بأن الفعل كان أزليًا صار المفعول أزليًا مثله. وإن كان الفعل محددًا بوقت صار المفعول محددًا غير أزلي. فإن من قال إن الله خلق السماوات والأرض والبشر منذ الأزل فقد جعل وجود المخلوقات أزليًا. ولهذا كان قولكم هو المشعر بالتصريح بقدم العالم، وهو الذي دعا الرازي إلى مخالفتكم وإلى التصريح بأن جميع من تهربوا من القول بالحدوث في أفعال الله تعالى اضطروا إلى العودة إليه بصيغة أخرى.
ولهذا لم يكن يوافقكم ابن تيمية على زعمكم في:
1 )التحديد الزمني لابتداء فعل الله التخليف. لأنه ما من وقت إلا كان الله فيه خالقًا. ولم يكن معطلًا عن الخلق.
2 )ولم يوافقكم على زعمكم أن الله كان موصوفًا بأنه خالق لكن التخليق كان ممتنعًا عليه.
3 )ومع ذلك لم يكن يرى ابن تيمية وجود شيء قديم مع الله عز وجل كما تزعمون عليه بلا تقوى ولا إنصاف، فإنه قال"وكل مخلوق فهو مُحدَث مسبوقٌ بالعدم وما ثم قديم أزلي إلا الله وحده، وإذا قيل لم يزل خالقًا فإنما يقتضي قِدَم نوع الخلق [أي التخليق ولهذا قال] ودوام خالقيته لا يقتضي قِدَم شيء من المخلوقات، فيجب الفرق بين أعيان المخلوقات الحادثة بعد أن لم تكن، فإن هذه لا يقول عاقل أن منها شيئًا أزليًا" (1) . فأين قال ابن تيمية بقدم شيء من المخلوقات؟!
والذين يجعلون لفعل التخليق لله تعالى تحديدًا ويمنعون عليه أن يكون خالقًا شيئًا قبل خلق السماوات والأرض فليس عندهم إلا رواية"كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض"ويفهمون من ذلك أنه قبل السماوات والأرض لم يكن ثمة خلق. مع أن الرواية هذه تفيد بأن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض. مما يدل على أن هذه الرواية لا يلزم منها القول بأن الله لم يكن خالقًا شيئًا قبل خلق السماوات والأرض.
(1) مجموع الفتاوى 16/95 .