الصفحة 104 من 999

وليس هذا المقام محلًا لبسط ذلك ، وإنما الذي يعنينا هنا ما يتعلق بموضوع البحث ، وهو ما أورده ابن القيم - رحمه الله - في كلامه حوله ؛ فقد ذكر في بيان المناسبة بين هذا المثل وبين من ضُرب لهم - وهم المنافقون - كلامًا مستقى من أقوال السلف والمفسرين قبله ، وأورد في سياق كلامه قولًا قد قيل به في معنى الآية ، وهو: أن هذا المثل مثلٌ للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين المسلمين .

وبعد أن بيّن وجه هذا القول ؛ قرر أن في جعله مرادًا بالآية - وإن كان حقًا - نظرًا .

وذكر من أسباب عدم قبول هذا القول ما يدل على أنه يرجح أن المعتمد في هذا المثل هو ما قاله السلف ، وسار عليه المفسرون - وهو ما سأذكره إن شاء الله عند دراسة كلامه بعد ذكره بنصه - .

قال رحمه الله: ( وقد قيل: إن هذا مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام ،ويكون بمنزلة قول الله تعالى: { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ } (المائدة: من الآية64) ، ويكون قوله تعالى: { ذهب الله بنورهم } مطابقًا لقوله تعالى: { أطفأها الله } ، ويكون تخييبهم وإبطال ما راموه هو تركهم في ظلمات الحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه ولا يبصرون سبيلًا ، بل هم صم بكم عمي .

وهذا التقدير - وإن كان حقًا - ففي كونه مرادًا بالآية نظر ؛ فإن السياق إنما قُصد لغيره ، ويأباه قوله تعالى: { فلما أضاءت ما حوله } وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدًا , ويأباه قوله تعالى: { ذهب الله بنورهم } وموقد نار الحرب لا نور له ، ويأباه قوله تعالى: { وتركهم في ظلمات لا يبصرون } وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت