فهرس الكتاب
والوجه الثالث: قوله تعالى في الآية: { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ } يأبا هذا المنى كذلك ؛ لأن موقد نار الحرب لا نور له ، فناره محرقة بلا نور .
وأما الوجه الرابع: فهو أن قوله تعالى في آخر الآية: { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ } لا يدل على هذا المعنى ؛ لأنه يقتضي أن المنافقين انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الكفر والنفاق ، وليس كذلك موقد نار الحرب ، فهو على حال واحدة ، قبل إيقاده نار الحرب ، وبعد أن يطفئها الله - عز وجل - .
ويضاف إلى هذه الوجوه التي ذكرها ابن القيم وجه خامس ، وهو أن هذا القول لم يثبت عن أحد من السلف الذين فسروا الآية ، وأهل التأويل على خلافه .
وأما ما روي عن الضحاك في هذا المعنى ؛ فيجاب عنه بما يلي:
أولًا - أن هذا القول لا سند له ، فلا يقبل .
ثانيًا - أن الثابت عن الضحاك خلاف هذا القول ، فقد ثبت عنه أنه قال في تفسير قوله تعالى: { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ } : أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به ، وأما الظلمات فهي ضلالتهم وكفرهم . [1]
ثالثًا: لو ثبت هذا القول عنه ، فيحتمل أنه أراد به تفسير آية المائدة التي نزلت في اليهود لأنه صرح بذكرهم في قوله ، وليس فيه ما يدل على أنه تفسير لهذه الآية .
النتيجة:
تبين من خلال الدراسة السابقة أن القول الذي ذكر ابن القيم رحمه الله أنه قد قيل في معنى الآية - وهو أنها مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين المسلمين - قول ضعيف لا يحتمله لفظ الآية ، ولا يدل عليه سياقها ، وإن كان حقًا من حيث الواقع .
تنبيهات وفوائد:
التنبيه الأول: في نوع الخلاف وثمرته:
(1) أخرجه الطبري في تفسيره 1/323 ، وأخرج ابن أبي حاتم بعضه في تفسيره 1/62 ، وقال محققه: إسناده حسن.وانظر تفسير الضحاك للدكتور الزاويتي 1/145-146 .