وهذه قاعدة مهمة ضبطها يجلي كثيرًا من البدع فإن ترك رسول الله صلى الله عليه وسلَّم العمل مع إمكان فعله - وهو الحريص كل الحرص على طاعة ربه الموصوف بأنه أخشى خلق الله وأتقاهم له - والمانع منتفٍ فهو والحالة هذه كفعله للعمل التعبُّدي ففعله صلى الله عليه وسلَّم سنةٌ وتركه صلى الله عليه وسلَّم سنةٌ لكن لا يصح لنا الاستدلال بالسنة التركية إلا عند توفُّر الدواعي للنقل فلا ينقل .وأقوى ما يتصور هذا فيما إذا نقل جزء العبادة دون جزئها الآخر . كما أشار لهذا ابن تيمية [1] على أن الأصل في العبادات أنها مما تتوفر الدواعي على نقلها ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل بيّن وحجّة واضحة. وفائدة هذا أنه أحيانًا تتوفر الدواعي لنقل الفعل أكثر من الترك ، وأحيانًا على قلةٍ لا تتوفر- كما سيأتي توضيحه فيما يستقبل -، فمثلًا صلاة الرغائب والألفية لم يثبت فيها حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وأصحابه ففعلها بعد تركهم مع إمكان فعلهم لها والمانع منتفٍ من جملة البدع إذ لو كان خيرًا لسبقونا إليه .أما ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لوجود مانعٍ فليس داخلًا في البدع وذلك كمثل استخدام مكبّرات الصّوت في الآذان فهذا لو فعله رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لنقل لكن لا يصح وصفه بالبدعة لأنّه وجد مانع من فعله وهو عدم وجوده في زمن النبي صلى الله عليه وسلَّم ،وكمثل صلاة القيام جماعةً في رمضان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم تركه خشية أن يُفترض كما جاء في حديث عائشة المتفق عليه فلما زال المانع بموته - إذ الوحي انقطع فما لم يكن مفروضًا فلن يفرض - أمر الفاروق عمر بن الخطاب بفعلها كما ثبت في صحيح البخاري .
(1) رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص 34 .