فهرس الكتاب
قال زهران: لكن لا ينبغي أن يحملنا ما ذكرته على سوء الظن بالعلماء, فقد بيَّن ابن الصلاح سِرَّ ذلك في النوع الحادي والستين من علوم الحديث, وهو معرفة الثقات والضعفاء من رواة الحديث, فقال:"وقد أخطأ فيه غير واحد على غير واحد، فجرحوهم بما لا صحة له, من ذلك جرح أبي عبد الرحمن النسائي لأحمد بن صالح، وهو إمام حافظ ثقة لا يعلق به جرح، أخرج عنه البخاري في صحيحه، وقد كان من أحمد إلى النسائي جفاءٌ أفسد قلبه عليه, وروينا عن أبي يعلى الخليلي الحافظ قال: اتفق الحفاظ على أن كلامه فيه تحامل، ولا يقدح كلام أمثاله فيه."
قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نسب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أن عين السخط تبدي مساوئ لها في الباطن مخارجُ صحيحة تعمى عنها بحجاب السخط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمدا لقدح يعلم بطلانه، فاعلم هذا فإنه من النكت النفيسة المهمة" [1] ."
وقال الشوكاني بإثر كلامه السابق:"ولا أقول إنهم يتعمدون الكذب ويكتمون الحق, فهم أعلى قدرا وأشد تورعا من ذلك, ولكن رسخ في قلوبهم حب مذاهبهم فأحسنوا الظن بأهلها فتسبب عن ذلك ما ذكرنا, ولم يشعروا بأن هذا الصنيع من أشد التعصب وأقبح الظلم, بل ظنوا أن ذلك من نصرة الدين ورفع منار المحقين ووضع أمر المبطلين غفلةً منهم وتقليدا" [2] .
(1) مقدمة ابن الصلاح (ص 390 - 391)
(2) أدب الطلب (ص 116)