‹
الصفحة 88 من 88

وقد قال الغزالي:"... وهذا وهم باطل، وهو غالب على أكثر الخلق, فإذا نسبتَ الكلام وأسندته إلى قائل حسُن فيه اعتقادهم، قَبِلوه وإن كان باطلا، وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقا، فأبدا يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق، وهو غاية الضلال" [1] .

وقال الغزالي أيضا:"وأما اتباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على اتباعه، وإن أردت أن تجرب هذا في الاعتقادات فأورد على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها، فلو قلت له: إنه مذهب الأشعري /, لنفر وامتنع عن القبول وانقلب مكذبا بعين ما صدق به مهما كان سيء الظن بالأشعري، إذ كان قبح ذلك في نفسه منذ الصبا, وكذلك تُقرِّر أمرا معقولا عند العامي الأشعري ثم تقول له: إن هذا قول المعتزلي, فينفر عن قبوله بعد التصديق ويعود إلى التكذيب, ولست أقول: هذا طبع العوام, بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم, فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد [2] , بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليدَ الدليل, فهم في نظرهم لا يطلبون الحق بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقا بالسماع والتقليد، فإن صادفوا في نظرهم ما يؤكد عقائدَهم قالوا: قد ظَفِرنا بالدليل، وإن ظهر لهم ما يُضعف مذهبَهم قالوا: قد عرضت لنا"

(1) المنقذ من الضلال (ص 155)

(2) قال ابن خلدون: التقليد عريق في الآدميين وسليل. المقدمة (ص 6)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت