الصفحة 49 من 470

الرابع: أن الله أمر أمهات المؤمنين بالتستر الكامل في آية الحجاب، ولم يستثن عضوًا من عضو، فلو كان المراد بإدناء الجلباب مجرد تغطية الرأس من غير أن يشمل الوجه والكفين لكان كلامه تعالى عبثًا في حق أمهات المؤمنين؛ إذ من العجائب أن يؤمر أولًا بالتستر الكامل حتى الوجه والكفين ثم يؤمر بتغطية الرأس فقط مع بقاء الآية الأولى محكمة غير منسوخة، ويا ليت شعري أي حاجة مَسَّتْ إلى الأمر بستر الرأس بعد الأمر بستر جميع الأعضاء:

الخامس: أن أساليب الرواة، وإن اختلفت في بيان سبب نزول هذه الآية لكنهم متفقون على أن من أهداف هذا الأمر تمييز الحرائر من الإماء بالزي، فعلينا أن نرجع في معرفة ذلك إلى تقاليد العرب في ذلك الزمان وقبله، وقد دلت أشعار الجاهلية أن بعض الحرائر، والشريفات كن يسترن وجوههن في زمن الجاهلية أيضًا، وحجاب الوجوه هذا وإن لم يكن عامًا وفاشيًا في عامتهم إلا أنه كان يعد هو الزي الفارق بين الحرة والأمة، وهاك بعض أشعارهم، وما يفهم منها في هذا المجال. قال امرؤ القيس في معلقته:

وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل

فسمى =الحرة+ بيضة الخدر.

وقال النابغة الذبياني في =متجردة+ امرأة النعمان بن المنذر ملك الحيرة:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد [1]

وهذا يعني أنها كانت تحتجب عن أعين الأجانب حتى إنها اتقت باليد حين سقط خمارها.

وقال عمرو بن معد يكرب يحكي احتدام معركة من معاركه التي خاضها قبل الإسلام:

وبدت عيس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى [2]

أي أنها التحأت لشدة الحرب إلى كشف وجهها فظهرت كالبدر، ومعناه أنها كانت تحتجب في عامة أحوالها.

وقال ربيع بن زياد العبسي يرثي مالك بن زهير:

من كان مسرورًا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار

يجد النساء حواسرًا يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار

(1) الأغاني، ترجمة النابغة الذبياني.

(2) ديوان الحماسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت