الصفحة 50 من 470

قد كن يخبأن الوجوه تسترًا ... فاليوم حين برزن للنظار [1]

وقال سبرة بن عمرو الفقعسي يعير أعداءه:

ونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يخلن إماءًا والإماء حرائر [2]

وهذا الشعر الأخير صريح في أن ستر الوجوه وكشفها كان هو الفارق بين الحرة والأمة في زمن الجاهلية.

وبعد معرفة هذا القدر من تقاليد نساء الجاهلية يسهل علينا فهم معنى هذه الآية وأن الله تعالى أمر المؤمنات بالتزام الزي الذي كان قد تقرر عندهم أنه زي الحرة وليس بزي الأمة، وقد عرفنا أن ذلك الزي كان هو ستر الوجه بالجلباب.

السادس: أن الروايات التي رويت في بيان سبب نزول هذه الآية إما ساكتة عن بيان الزي الفارق بين الحرة والأمة، وإما صريحة جازمة فيه، فالرواية التي فيها التصريح ببيان الزي هي ما رواه ابن سعد، عن محمد بن كعب القرضي، قال: كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المسلمين، يؤذيهن، فإذا قيل له: قال: كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء، ويدنين عليهن من جلابيبهن. تخمر وجهها إلا إحدى عينيها، يقول: ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين. يقول: ذلك أحرى أن يعرفن+ [3] ...

إلى أن قال: فالروايات التي بينت سبب النزول أفادت أيضًا أن الفرق بين الحرة والأمة إنما كان بستر الوجه وكشفه.

السابع: أنا لو سلمنا على سبيل التنزل أن مجرد ستر الرأس يكفي لتميز الحرة من الأمة، فلا شك أن ستر الوجه مع ستر الرأس أولى في إعطاء هذا التمييز، وفي تأدية هذا الغرض، فسبب النزول لا يقتضي نفي ستر الوجه، ولا ينافي وجوبه.

(1) ديوان الحماسة.

(2) ديوان الحماسة.

(3) الطبقات الكبرى (8/176_177) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت