الصفحة 51 من 470

الثامن: أن سبب النزول ينص على أن الله تعالى درأ بأمر إدناء الجلباب مفسدة من المفاسد، وهي التعرض للنساء، ولكن هناك مفاسد أخرى أكبر منها، وذلك أن المرأة، ولو كانت فاجرة إذا تعرض لها أحد في الطريق بالتغزل وأمثاله تثور فيها الحمية والغيرة، وتستشيط غضبًا إلا التي ترامت في وقاحتها وفجورها إلى النهاية.

وقلما يظفر الرجل بجدوى في مطلوبه بمثل هذا التعرض، ولا يجتني من عمله هذا إلا شوك الذل والهوان، ولكن إذا خرجت المرأة سافرة الوجه، فلا غرو أن يلتقي نظرها بنظر أحد من الرجال، ومعلوم أن التقاء النظرين يحدث انجذابًا في القلبين قلما يصبر أحدهما عن الآخر، ويقع كل منهما فريسة لصاحبه بسهولة تامة ولذلك ورد =أن النظر سهم من سهام إبليس مسموم+ [1] .

وقال الشاعر:

كل الحوادث مبدأها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر

وقال آخر:

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا

وقال آخر وقد ذكر كل المراحل التي تحصل لأجل النظر:

نظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء

وقال الزمخشري: النظر بريد الزنا، ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه [2] .

ثم إن المرأة إذا خرجت سافرة الوجه، ويراها رجل، فربما يأخذه الغرام بها، وتتحرك لها كوامن شهواته، فيأخذ طريق الاحتيال بها؛ ليوقعها في حبائل شهواته ويتخذها خدنًا من أخدانه، ومَنْ جَدَّ في غرض يخترع له سبلًا وطرقًا.

وليست هذه المفاسد متخيلة مفروضة، بل قد ابتُلي بها المجتمع البشري في العالم كله، إلا ما رحم ربي. فالهرج والمرج من خطف النساء وهتك أعراضهن كرهًا حتى سفك دمائهن في كثير من الأحيان هو ما نراه ونسمعه صباح مساء وليل ونهار، فضلًا عما يقع من تراضي الطرفين من الفواحش والخبائث، ولا شك أن مصدره هو السفور والتحرر في اختلاط الرجال والنساء.

(1) انظر تفسير ابن كثير (5/57) .

(2) الكشاف (3/61) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت