الصفحة 52 من 470

أقول: إذا كانت هناك مفاسد أخرى بجنب المفسدة التي نزلت لدرئها الآية الكريمة، فهل من حكمة الحكيم الخبير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما يتطرق إليه المجتمع بفضل السفور، هل من حكمته أن يدرأ مفسدة واحدة صغيرة ويترك مفاسد أخرى كبيرة مفتحة الأبواب، لا يدرؤها، مع أنها من قبيلها أو أشد منها؟ فالصحيح أن مفسدة واحدة صغيرة وهي التعرض للنساء في الطرقات لما ظهرت واقتضت أمرًا من أوامر الله يسد به بابها أمر الله بأمر يكفي لسد هذه المفسدة ولسد أبواب المفاسد الأخرى التي هي أكبر من أختها، فأمر بستر الرأس والوجه حتى ينقطع السبيل تمامًا، وليت شعري كيف عرفوا أن سبب النزول يوجب قصر الحكم على مقتضاه، ويمنع الزيادة عليه.

ولعل قائلًا يقول: إن الأمر إذا كان كذلك فلم لم ينبه الله تعالى على تلك الأغراض النبيلة التي تكمن وراء هذا الأمر؟ ولم اقتصر على الإشارة إلى غرض واحد فقط؟

فأقول: إنه قد أشار إلى تلك الأغراض في آية الحجاب بقوله: [ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ] فلم يحتج إلى الإعادة، ويالها من كلمة جامعة لم تغادر صغيرة ولا كبيرة من أغراض هذا الباب إلا أحصتها، ثم إن قوله تعالى: [ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ] يشير إلى هذه الأغراض أيضًا. قال الرازي:

=قيل: يعرفن أنهن حرائر، فلا يتبعن، ويمكن أن يقال: إنهن لا يزنين، لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أن تكشف عورتها+ [1] .

(1) التفسير الكبير للرازي (6/799) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت