فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 214

ودعك من أضغاث الأحلام التى ينقلك إلى جوها هذا الكلام المفكك.. ودعك من تقطع الروابط العقلية بين هذه الألفاظ المتصيدة، فهى كما قيل: سمك ، لبن ، تمر هندي .. ولكن الشيء الذى لا تدعه ، والذى يثير انتباهك حتما ، هو جراثيم الاستعمار الثقافي ، أو الغزو الصليبى الذى سيطر على هذا الشاعر الهائم.. فهو في القاهرة المدينة المعروفة بشمسها الصاحية ، ومآذنها السامقة، وصبغتها الإسلامية الأولى. ولكن التبعية الفكرية والنفسية الغالبة على هذا الشخص التائه، جعلته لا يرى إلا الغيوم وأبراج الكنائس والرهبان القلقين، ورنين النواقيس، وكأنه في لندن أو روما لا في مصر!! إن هذا الإنسان مثل الألوف من الخلق سلخهم التحرر الجديد من ماضيهم وحاضرهم فهم يعرفون كل شئ إلا دينهم ولغتهم وقومهم . ولست أكتب هذا الكلام نقدا للشعر المرسل ، فأمره أتفه من ذلك !! ولكنى أشرح الأحوال النفسية وراء البغضاء الكامنة ضد اللغة العربية وقضاياها في شتى الميادين.. إننى قلق على مستقبل لغتنا ومتبين للمؤامرات الخفية والمشروعات الخبيثة التى تستهدف إماتة هذه اللغة آخرا، بعد جعلها الآن لغة ثانوية في مجالات العلوم والصناعات، وفى مجالات الحديث العام والخطابة الرسمية.. والقضاء على العربية مخطط تبشيري مدروس بعناية وينفذ بتؤدة وإصرار، وقد بدأ هجوما على الحروف العربية التى تكتب بها بعض اللغات الإسلامية ، فأمكن خلال الخمسين السنة الأخيرة إماتة هذه الحروف في أندونسيا وماليزيا وتنزانيا ونيجيريا وغيرها. وذلك حتى تنقطع العلاقة بالمؤلفات الدينية التى كتبها الأسلاف خلال ألف سنة. ونجحت هذه الحركة، وشبت الناشئة المسلمة في عشرات السنين الأخيرة ، وهى لا تحسن قراءة ما كتب الآباء ، أى شبت جاهلة بدينها ، متجهمة لثقافته . فإذا علمت أن اللغة الساحلية، ولغة الهاوسا- وهما اللغتان الشائعتان في نيجيريا وماليزيا، هما لهجات عربية وأن أكثر الكلمات منقولة عن لغتنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت