فهرس الكتاب
ونظرت إلى صديق لى نظرة تنطوى على الدهشة ، فقال لى مبتسما: هنا يستطيع أى مواطن أن يقول للسيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة: أزهري ! ماذا فعلت في موضوع كذا ؟ وسيجيبه الرئيس بما عنده دون نكر أو هجر!! لقد زرت بلادا عربية كثيرة، ومنذ شهرين اثنين كنت في الكويت، وهناك يستطيع رجل الشارع أن ينادى صاحب أكبر منصب دولة بقوله، أبا فلان.. ويجيب أبو فلان هذا- سواء أكان وزيرا أكبر أو أصغر- يجيب داعيه بمودة وبشر.. إن بقايا الإسلام لا تزال لاصقة بأفئدتهم.. أما في مصر فقد ألغيت الألقاب على الورق فقط ، والويل لمن ينادى كاتبا أو إداريا باسمه أو كنيته . إن حاجته لن تقضى ، وما أحسبه ينصرف سالما.. إننا ألغينا الألقاب لنعيد الصحة النفسية إلى جماعات أكلها الذل والتفاوت ، لكن العلل التى يتأذى منها الأحرار لا تزال دونها قلاع وأسوار! والتقيت بأحد الدعاة العائدين من جنوب السودان، وبادرته بالسؤال: كيف الحال هنالك؟ فقال: في طريق الاستقرار وإن كان مشعلو الفتنة لم يزولوا.. واستوضحته الخبر، فعرفت أن جماعات المبشرين- وهم يعملون وفق سياسة مرسومة- وضعت بذور شر مستطير في هذه البقاع. إن الإنجليز في أثناء حكمهم عزلوا الجنوب عن الشمال عزلا تاما، ومكنوا الكنائس الغربية أن تتولى كل شيء في المجالين الثقافي والاجتماعى. فلما استرد السودان حريته وجد نفسه أمام شعور طافح بالبغضاء من الجماعات التى صنعها أولئك المبشرون. ولكن ما جبل عليه المسلمون من احترام للحريات الدينية جعلهم يلقون الأمر الواقع بشيء من الرضا، ووضعوا خطتهم على أساس تعاون شتى الأديان في مجتمع تذوب فيه الفوارق المفتعلة.. غير أن المبشرين رفضوا هذه الخطة، وأعلنوا الحرب عليها وعلى منفذيها، ص _140