فهرس الكتاب
يجوز للإنسان ترك الواجبات، ولا الاستهانة بالمحرمات فكذلك لا يليق به أن يتهاون بالطاعات اليسيرة؛ بحجة أنه واقع في أمور كبيرة؛ فقد يعمل عملًا يسيرًا في نظره كإماطة الأذى عن الطريق، وكصلة الأرحام، أو العطف على المساكين فيكون ذلك سببًا لمغفرة ذنوبه، خصوصًا إذا قام بقلبه الإخلاص، وصدق الإقبال؛ فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب؛ فتكون صورتها العملية واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض.
ومما يقرر هذا المعنى، ويشهد له ما جاء في حديث البغي.
قال النبي": =بينما كلب يُطيف [1] برُكيَّة [2] كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها [3] واستقت له به، فسقته إياه، فَغُفر لها به+ [4] ."
قال ابن القيم×في تقرير هذا المعنى: =وقريب من هذا ما قام بقلب البغي التي رأت ذلك الكلب، وقد اشتد به العطش يأكل الثرى، فقام بقلبها ذلك الوقت_مع عدم الآلة، وعدم المعين، وعدم من ترائيه بعملها_ما حملها على أن غَرَّرَت بنفسها في نزول البئر، وملء الماء في خفها، ولم تعبأ بتعرضها للتلف، وحَمْلِها خُفَّها بفيها وهو ملآن، حتى أمكنها الرقيُّ من البئر، ثم تواضعها لهذا
(1) يطيف: يدور حولها.
(2) الركية: البئر.
(3) الموق: الخف.
(4) رواه البخاري (3467) ، ومسلم (2245) .