فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 314

فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته ما يمنعه من محبة غيره؛ إذ ليس عند القلب السليم أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسر، ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له.

وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيبًا إلى الله، خائفًا منه، راغبًا، راهبًا+ [1] .

وقال: =وإذا كان العبد مخلصًا لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه، واجتذبه إليه،؛ فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك.

بخلاف القلب الذي لم يخلص لله؛ فإن فيه طلبًا، وإرادة، وحبًا مطلقًا، فيهوي كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن أي نسيم مرَّ به عطفه، وأمالَهُ؛ فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة، فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذه هو عبدًا له لكان ذلك عيبًا ونقصًا وذمًا.

وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق.

وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوبَ، والقلوبُ تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع بغير هدى من الله.

ومن لم يكن خالصًا لله، عبدًا له، قد صار قلبه معبدًا لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلًا له خاضعًا، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه+ [2] .

وقال ابن القيم×: =فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشًا، وأنعمهم بالًا، وأشرحهم صدرًا، وأسرهم قلبًا، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة+ [3] .

2_ امتلاء القلب من محبة الله_عز وجل_: فالمحبة أعظم محركات القلوب؛ فهي الباعث الأول للأفعال والتروك.

وما أُتي من اسْتُذِل واستعبد لغير الله بمثل ما أُتي من باب المحبة؛ فالقلب إذا خلا من محبة الله تناوشته الأخطار، وتسلطت عليه سائر الرغائب والمحبوبات، فشتَّتته، وفرقته، وذهبت به كل مذهب.

فإذا امتلأ القلب من محبة الله بسبب العلوم النافعة والأعمال الصالحة_كَمُلَ أنسه، وطاب نعيمه، وسلم من التعلق بسائر الشهوات، وهان عليه فعل سائر القربات؛ فمن المتقرر أن في القلب فقرًا ذاتيًا، وجوعة وشعثًا وتفرقًا.

ولا يغني هذا القلب، ولا يلم شعثه، ولا يسد خلته إلا عبادة الله، و محبته.

فأجدر بمن يريد الإقبال على الله، والإنابة إليه أن يملأ قلبه من محبة الله؛ ففي ذلك سروره، ونعيمه، وأنسه، وفلاحه.

قال ابن تيمية×: =والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة، وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة.

(1) العبودية ص 139_140.

(2) العبودية ص 140_142.

(3) الجواب الكافي ص 465.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت