فهرس الكتاب
الرضا والحال، ولم يجد نفسه تطالبه بحالها الأول مع الله، بل اطمأنت، وسكنت إلى غيره_علم أنه لا يصلح، فوضعه في مرتبته التي تليق به.
وإن استغاث استغاثة الملهوف، وتَقَلَّق تَقلُّقَ المكروب، ودعاه دعاء المضطر، وعلم أنه قد فاتته حياته حقًَّا، فهو يهتف بربه أن يرد عليه ما لا حياة له بدونه_علم أنه موضع لما أُهّل له، فردَّ عليه أحوج ما هو محتاج إليه، فعظمت به فرحته، وكملت به لذته، وتمت به نعمته، واتصل به سروره، وعلم حينئذ مقداره، فعضَّ عليه بالنواجذ، وثنَّى عليه بالخناصر؛ فالعبد إذا بلي بَعْد الأنس بالوحشة، وبعد القرب بنار البعاد_اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة، فحنَّتْ، وأنَّتْ، وتصدَّعت، وتعرضت لنفحات مَنْ ليس لها عنه عوض أبدًا، ولا سيما إذا تذكر بره، ولطفه، وحنانه، وقربه.
هذه بعض فضائل التوبة، وأسرارها، ومن خلال ذلك يتبين لنا عظم شأن التوبة، وكبير منزلتها عند الله، كما يتبين_أيضًا_حكمة الله_عز وجل_في خلق المعاصي، وتقدير السيئات.