القول الأول: قول جماعة نفت التقليد وأنكرته وذمته وقالت في تبرير ذلك أن الناس أحد رجلين.
أ- إما عامي فيجب عليه أن يتعلم ما يستقيم به دينه، ولا فائدة له في لزوم مذهب معين، فإنه كالأمي الذي يدعي أنه يقرأ وهو ليس بقارئ أو يدعي أنه كاتب وليس بكاتب فيدعي أنه على مذهب وهو لا يعرفه ولا يعرف الصحيح من الضعيف.
ب- والرجل الثاني فقيه عالم بالكتاب والسنة، فلا يصح أن يقدم على شيء بغير حجة ولا دليل [1] .
وقد ذم الله التقليد والاتباع على غير هدى كما ذكر الله عن الكفار في قوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) [الزخرف: 23] وقال تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) [الأحزاب: 66 - 68] ، وقد أمر الله عباده باتباع ما أنزل على رسوله قال تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: 3] .
وقد بين تعالى أن الذين يقلدون غيرهم بلا وعي، ولا تعقل يندمون على ذلك يوم القيامة عندما يرون العذاب الأليم قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة: 167] .
القول الثاني: قول من يقول إن التقليد أمر ضروري يباح عند الضرورة فليس في قدرة كل الناس معرفة الأدلة التفصيلية من الكتاب والسنة ولكنهم اشترطوا أن يكون التقليد لأحد الأئمة في ما وافق الكتاب والسنة فقد صرح الأئمة بأنه لا يجوز تقليدهم تقليدا مطلقا في كل شيء لأن التقليد المطلق خاص بالمعصوم - صلى الله عليه وسلم - فيما لم ينسخ أو يكون مخصوصا به دون غيره [2] فقد أمرنا الله بمتابعته بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) [الأحزاب: 21] .
أما ما عدا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيؤخذ من قوله ويرد ولذلك نرى أن الأئمة والفقهاء قد أوثر عن كل واحد منهم ما يدل على ذم التقليد والمتابعة المطلقة لغير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [3] .
ومن الأقوال التي رويت عنهم ما يلي:
1 -قال أبو حنيفة رحمه الله: هذا رأيي فمن جاءنا برأي خير منه قبلناه وقال: هل لأحد قول مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ [4] .
2 -قال بشر بن الوليد [5] قال أبو يوسف [6] صاحب أبي حنيفة (لا
(1) انظر مجموعة التوحيد (150) وانظر أصول مذهب الإمام أحمد للدكتور عبد الله عبد المحسن التركي (675 - 689) وانظر إيقاظ همم أولى الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار/ صالح بن محمد نوح الفلاني (153 - 214) .
(2) انظر مجموعة التوحيد (150 - 152) وانظر أصول مذهب أحمد د/ عبد الله التركي (676 - 689) .
(3) انظر مجموعة التوحيد (150 - 152) .
(4) المصدر السابق (151) .
(5) هو بشر بن الوليد بن عبد الملك ابن الخليفة الوليد الأول من أم ولد وقد عرف بعالم بني مروان لغزارة علمه، وكان بشر أميرًا للحج عام 95 هـ كما اشترك في بعض الفتوحات الإسلامية في آسيا الصغرى وتولى قيادة الأسطول المصري فرسًا في تراقيا ووصل في توغله حتى أدرنة ولا يعرف تاريخ وفاته انظر دائرة المعارف الإسلامية (3/ 660) .
(6) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي أبو يوسف ولد
بالكوفة سنة 113 هـ وتفقه علي أبي حنيفة وسمع من عطاء بن السائب وطبقته وروى عن محمد بن الحسن الشيباني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو يوسف فقيه
محدث أصولي، مجتهد حافظ عالم بالتفسير والمغازي وأيام العرب، ولي قضاء بغداد لثلاثة من الخلفاء العباسيين وتوفي بها في ربيع الآخر سنة 182 هـ ودفن بكرخ بغداد بقرب أم جعفر زبيدة من آثاره كتاب الخراج المبسوط في فروع الفقه الحنفي ويسمى بالأصل كتاب في آداب القاضي على مذهب أبي حنيفة انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (13/ 240) .