كنت كغيري من المسلمين أقرأ القرآن -إن قرأته- قراءة جامدة، فلاأتدبر ولاأعي معاني كلام الله عز وجل، وذات يوم أتيت للسلام على جدتي، وإذا هي مطرقة تستمع مقرئًا يتلو القرآن بصوت خاشع من جهاز التسجيل، وسمعته يقرأ قوله تعالى {كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (آل عمران:185) .
فوقعت هذه الآية في نفسي موقعًا، وحين انصرفت واستلقيت على سريري عاد هذا الصوت الخاشع يتردد في ذهني، وشعرت بهول الأمر وفداحة الخطب، إنه الرحيل الذي ليس منه بد، إنها النهاية المتحتمة لكل بشر في هذه الدنيا مهما علا شأنه وارتفع قدره، يرحل الجميع الشريف والوضيع، الغني والفقير، يرحلون من هذه الدار بخرقة بيضاء سرعان ماتبلى، ويوسدون الثرى.
حينها ماقيمة الدنيا بأسرها؟ وهب أن المرء عمر فيها ماعمر، وتمتع فيها بالشهوات والملذات، فهي النهاية والمصير الذي ليس منه مهرب، وليته المثوى الأخير والنهاية المتحتمة للمرء إذًا لهان الأمر وسهل الخطب، لكنه بداية لما بعده من البعث والنشور والقيام بين يدي رب العالمين جل جلاله.
هكذا حياة الصالحين
تدفع اللذة والشهوة العاجلة أولئك الذين يمتعون أنفسهم بالحرام، ويدركون أن لها معنى وقيمة ليس لغيرها، وكنت أشعر كغيري أن أولئك الذين يستعلون على شهواتهم ولذاتهم يعيشون مرارة الحرمان والمعاناة، وأنهم يدفعون أنفسهم دفعًا للقيام بالتكاليف والواجبات الشرعية.
لكني أدركت بعد أن سلكت طريق الهداية أن عالم الصالحين عالم آخر غير هذا العالم، وأنه في مقابل هذه اللذات التي يحصل عليها أهل الشهوات لذائذ أعظم وأولى، ومنها:
1-لذة الإيمان
وهي لذة حرمها الغافلون المعرضون، ولم يدركها إلا عباد الله الصادقين، أهل الإخلاص والتقوى.