هذا الإنسان والجان إنما تتمثل غاية وجودهم في عبادة الله وحده، وهي حقيقة لايجادل فيها مسلم مهما كان إيمانه {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وهي حقيقة لها دلالاتها وآثارها المهمة فمن ذلك:
1-أنه قد ركب وخلق بما يتناسب مع هذه الوظيفة الشريفة العالية، فعواطفه ومشاعره وأحاسيسه وصفاته كلها تتسق مع هذه المهمة وهذه الوظيفة.
2-أنه قادر على القيام بأعباء هذه الوظيفة ومهماتها؛ ذلك أن الذي خلقه تبارك وتعالى هو الذي اختار له طريق العبودية، فهو أعلم به وبما يعينه أو يعيقه عنها {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} وأولئك الذين يزعمون أنهم لايطيقون تكاليف هذه العبودية يجهلون هذه الحقيقة، أو يكابرون فيها.
3-أن حياته لاتستقيم، ولاتتسق إلا حين يحقق هذه العبودية، كيف الأمر بسيارة أعدت لأن تسير على الطرق المعبدة وجهزت بوسائل الراحة؟ كيف بها حين تسير في طريق صحراوي؟ وفي المقابل فالسيارة التي أعدت لتحمل أعباء الصحراء ومشاقها لايجد فيها من يسير بها على الطرق المعبدة مايجد في غيرها.
وهكذا الإنسان فحين يتنكب طريق الهداية ويسلك سبيل الضالين الكافرين يعيش ألوانًا من التناقض مع ذاته، ويتمثل هذا التناقض في اضطرابات في المشاعر وتعاسة وقلق؛ ذلك أن هذا الكيان وظف في غير ماخلق له، إنه كالذي يسبح ضد التيار ويسير عكس اتجاه الريح، وتزداد الهوة، ويعظم الثمن الباهض الذي يدفعه صاحبه حين يزداد بعده عن هذا الطريق، لذا فأهل الإلحاد والكفر أكثر الناس معاناة، وأهل الإيمان والطاعة أكثر الناس استقرارًا واتفاقًا مع أنفسهم.
حينها أدركت أن سلوكي هذا الطريق أمر لامناص منه ولامحالة.
الثالثة: الرحيل ليس منه مهرب: