وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول"وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين _خاصتهم وعامته_ ولا يعرف هذا إلا من كان من ورثة الرسول"ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض، وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك، فلا يخطر ذلك بقلوبهم، والله يمن بفضله على من يشاء من عباده.
فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيي عليه سلط عليه حزبه من الأنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه، وقصد إخماله وإطفائه؛ ليشوش عليه قلبه، ويشغل بحربه فكره، وليمنع الناس من الانتفاع به؛ فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه ولا يفتر ولا يني؛ فحينئذ يلبس المؤمن لأْمَة الحرب أي درعها، ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أُسر أو أصيب، فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.
فتأمل هذا الفصل، وتدبر موقعه، وعظيم منفعته، واجعله ميزانك تزن به الناس وتزن به الأعمال؛ فإنه يطلعك على حقائق الوجود ومراتب الخلق، والله المستعان، وعليه التكلان.
=ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذا الفصل لكان نافعًا لمن تدبره ووعاه+ [1] .
الفائدة الثامنة عشرة:
قاعدة نافعة فيما يعتصم به العبد من الشيطان، ويستدفع به شره ويحترز به منه.
قال ابن القيم: وذلك عشرة أسباب:
أحدها: الاستعاذة بالله من الشيطان، قال تعالى: [وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم] (فصلت:36) .
الحرز الثاني: قراءة سورتي المعوِّذتين؛ فإن لهما تأثيرًا عجيبًا في الاستعاذة بالله من شره، ودفعه والتحصن منه، ولهذا قال النبي":"
=ما تعوذ المتعوذون بمثلهما+.
وكان النبي"يتعوذ بهما كل ليلة عند النوم، وأمر عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة."
(1) تفسير المعوذتين ص73_76، والتفسير القيم ص611_614.