الصفحة 50 من 58

فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الرابعة، وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها كما قال النبي":"

=إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض+، وذكر حديثًا معناه: أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارًا عظيمة فطبخوا واشتووا.

ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها، فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالًا منه.

فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الخامسة، وهي اشتغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها.

فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، وكان حافظًا لوقته شحيحًا به، يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها، وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله إلى المرتبة السادسة وهي أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه؛ ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول، ويحضه عليه، ويحسنه له إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه.

وقلَّ من يتنبه لهذا من الناس؛ فإنه إذا رأى فيه داعيًا قويًا ومحركًا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة؛ فإنه لا يكاد يقول: إن هذا الداعي من الشيطان؛ فإن الشيطان لا يأمر بخير، ويرى أن هذا خير، فيقول: هذا الداعي من الله، وهو معذور، ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما أن يتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين بابًا وأجل وأفضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت