الصفحة 49 من 58

الشر الأول: شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه، وهو أول ما يريد من العبد، فلا يزال به حتى يناله منه؛ فإذا نال ذلك صيره من جنده وعسكره واستنابه على أمثاله، وأشكاله، فصار من دعاة إبليس ونوابه؛ فإن يئس منه من ذلك _وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه_ نقله إلى المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعدٍ، وهي ضرر لا يتاب منه، وهو مخالفة لدعوة الرسل، ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك؛ فإذا نال منه البدعة، وجعله من أهلها بقي أيضًا نائبه وداعيًا من دعاته.

فإن أعجزه من هذه المرتبة _وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة ومعاداة أهل البدع والضلالة _نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر وهي الكبائر على اختلاف أنواعها؛ فهو أشد حرصًا على أن يوقعه فيها.

ولا سيما إن كان عالمًا متبوعًا فهو حريص على ذلك؛ لينفر الناس عنه، ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس، ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينًا وتقربًا _بزعمه إلى الله تعالى_ وهو نائب إبليس وهو لا يشعر فـ [إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة] (النور:19) .

هذا إذا أحبوا إشاعتها، فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها، لا نصيحة منهم، ولكن طاعة لإبليس ونيابة عنه!.

كل ذلك لينفر الناس عنه، وعن الانتفاع به، وذنوب هذا _ولو بلغت عنان السماء_ أهون عند الله من ذنوب هؤلاء؛ فإنها ظلم منه لنفسه، إذا استغفر الله وتاب إليه قبل الله توبته، وبدل سيئاته حسنات.

وأما ذنوب أولئك فظلم للمؤمنين وتتبع لعوراتهم، وقصد لفضيحتهم، والله سبحانه بالمرصاد ، لا تخفى عليه كمائن الصدور، ودسائس النفوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت