الصفحة 151 من 729

وذكرهما صاحب المرقاة [1] .

التوجيه والترجيح:

لا يلزم فيما يظهر لي ـ والله أعلم ـ من قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث:"و أحيا أباك فكلمه كفاحًا"أن عبد الله بن حرام - رضي الله عنه - كان ميتًا ، فأحياه الله ، بل المراد من الحديث ـ والله أعلم ـ هو ما دلت عليه الآيتان من أن مَن يقتل في سبيل الله شهيدًا فهو يبقى حيًا ، فعلى هذا يكون معنى الحديث: وأبقى أباك حيًا تلك الحياة البرزخية الخاصة بالشهداء ، وميزه عن غيره بتكليمه إياه مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول.

ويدل لذلك سياق الحديث فقد قال عبد الله بن حرام - رضي الله عنه - بعد ذلك:"يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية"فهو قد طلب إحياءه الحياة الدنيوية المعروفة ، وذلك ممتنع ، فدل ذلك على أن الإحياء الأول في قوله:"وأحيا أباك"إحياء من نوع آخر ، وهو الإحياء البرزخي الخاص بالشهداء.

وبهذا ينتفي ما قد يتوهم من التعارض بين الآيتين والحديث.

وأما ما تقدم من وجهي الجمع ، فإنهما يحتاجان إلى دليل ؛ لأنهما يتعلقان بأمر غيبي ، وهو كيفية إحياء الله تعالى لأبي جابر رضي الله عنهما وغيره من الشهداء ، تلك الحياة البرزخية ، التي لا نعلم كيفيتها ، فقد قال الله تعالى: { بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } ، فقد نفى الله سبحانه وتعالى الشعور ، ونفي الشعور يدل على نفي الإدراك من باب أولى ، كما قال الشنقيطي [2] .

6-6- قال تعالى: { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ البقرة: 173] .

(1) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري 11/381.

(2) انظر: أضواء البيان 1/234.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت