الصفحة 158 من 729

وأما ما ذهب إليه الزمخشري ومن تبعه من أن الآيات مخصصة بالعرف والعادة ، فقد تعقبه ورده أبو حيان بكلام جيد فيما يلي نصه:"وملخص ما يقوله ـ أي الزمخشري ـ أن السمك والجراد لم يندرج في عموم الميتة من حيث الدلالة ، وليس كما قال ، وكيف يكون ذلك ، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"أحلت لنا ميتتان"، فلو لم يندرج في الدلالة ، لما احتيج إلى تقرير شرعي في حله ، إذ كان يبقى مدلولًا على حله بقوله: { كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ } [البقرة: 168] ، { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } [ البقرة: 172] ، وليس من شرط العموم ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة ، كما قال الزمخشري ، بل لو لم يكن للمخاطب شعور ألبتة ، ولا علم ببعض أفراد العام ، وعلق الحكم على العام لاندرج فيه ذلك الفرد الذي لا شعور للمخاطب به."

مثال ذلك ما جاء في الحديث:"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع"، فهذا علق الحكم فيه بكل ذي ناب ، والمخاطب الذين هم العرب ، لا علم لهم ببعض أفراد ذي الناب ، وذلك الفرد مندرج في العموم ، يقضي عليه بالنهي ، كما في بلادنا بلاد الأندلس ، حيوان مفترس يسمى عندهم بالدب وبالسمع ، وهو ذو أنياب يفترس الرجل ويأكله ، ولا يشبه الأسد ، ولا الذئب ، و لا النمر ، ولا شيئًا مما يعرفه العرب ، ولا نعلمه خلق بغير بلاد الأندلس ، فهذا لا يذهب أحد إلى أنه ليس مندرجًا في عموم النهي عن أكل كل ذي ناب ، بل شمله النهي ،كما شمل غيره مما تعاهده العرب وعرفوه ؛ لأن الحكم نيط بالعموم وعلق به ، فهو معلق بكل فرد من أفراده ، حتى بما كان لم يخلق ألبتة وقت الخطاب ، ثم خلق شكلًا مباينًا لسائر الأشكال ذوات الأنياب ، فيندرج فيه ويحكم بالنهي عنه" [1] ."

(1) البحر المحيط 1/692.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت