الصفحة 249 من 729

وأما إغزاؤه أبا عامر - رضي الله عنه - إلى أوطاس فإنه من تتمة غزوة حنين التي ابتدأها المشركون [1] ، والذي يظهر أن غزوة أوطاس كانت في أواخر شهر شوال ، فلا دليل فيها على هذه المسألة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ كما تقدم ـ وصل إلى حنين في العاشر من شوال ، ثم وقعت المعركة بين المسلمين والمشركين فور دخول المسلمين لوادي حنين ، والتي انتهت بانتصار المسلمين ، ثم تعقب النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون مباشرة مَنْ فر من جيش المشركين وعسكر في أوطاس ، فكان ذلك قبل دخول الشهر الحرام.

3-يدل على عدم النسخ قوله تعالى في سورة المائدة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ } [ المائدة: 2] ، والمائدة من آخر ما نزل من القرآن ، ولهذا قال العلماء ليس فيها حكم منسوخ [2] .

ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو بكرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حجة الوداع:"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" [3] .

فإن التشبيه يقتضي تقرير حرمة هذه الأشهر ، ويفيد الحديث بقاء تحريمها إلى ذلك اليوم ، ولا يتصور تحريمها مع جواز بدء القتال فيها ؛ لأن تحريم بدء القتال فيها من جملة مزايا الأشهر الحرم ، بل أكبر مزاياها ، كما ذكر ذلك السعدي [4] .

وبهذا يتبين أن القول بالنسخ في هذه المسألة بعيد ، والله أعلم.

(1) انظر: زاد المعاد لابن القيم 3/341.

(2) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس 2/232، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب ص255.

(3) أخرجه البخاري في العلم ، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"رب مبلغ أوعى من سامع"، رقم ( 67) 1/24 ، ومسلم في الحج ، رقم (1218) 2/889 ، من حديث جابر - رضي الله عنه - .

(4) انظر: تفسيره ص97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت