فهرس الكتاب
الوجه الثاني: أن قوله تعالى: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } مجمل بالنسبة لمقدار الوصية ، وهذا القدر من الاجمال ، بينته السنة بحديث سعد - رضي الله عنه - ، بأن لا يجاوز الموصي بالوصية الثلث [1] .
ثانيًا: مسلك النسخ:
ذهب الحازمي [2] ، وأبو حامد الرازي [3] إلى أن إطلاق الوصية في القليل والكثير في قوله تعالى: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } منسوخ بحديث سعد - رضي الله عنه -:"الثلث والثلث كثير".
التوجيه والترجيح:
يتعين _ في هذه المسألة _ الأخذ بمسلك الجمع ؛ لأن فيه إعمالًا لجميع الأدلة ، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو بعضها ، ولكون مذهب النسخ ضعيفًا كما سيأتي بيانه.
والجمع الذي يظهر رجحانه ـ والله أعلم ـ هو الوجه الأول من أوجه الجمع ، وهو أن قوله تعالى: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } مطلق يدل على جواز الوصية بقليل المال وكثيره ، وهذا الإطلاق قيدته السنة ، بعدم جواز الوصية بأكثر من الثلث ، ولا تعارض بين مطلق ومقيد ، بل يحمل المطلق على المقيد.
قال ابن حجر:"وفيه ـ أي حديث سعد ـ تقييد مطلق القرآن بالسنة ؛ لأنه قال سبحانه وتعالى: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } فأطلق ، وقيدت السنة الوصية بالثلث" [4] .
وأما الوجه الثاني من أوجه الجمع ، فلا يتنافى مع الوجه الأول ، وبهما يزول ما يتوهم من التعارض بين الآية والحديث ، سواء كانت الآية مطلقة قيدتها السنة ، أو مجملة بينتها السنة ، إلا أن الإطلاق في الآية أوضح.
وأما مسلك النسخ فيمكن مناقشته بما يلي:
(1) انظر: الرسالة للشافعي ص 30.
(2) انظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص 104.
(3) انظر: الناسخ والمنسوخ في الأحاديث ص 32.
(4) فتح الباري 5/368.