فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 161

وإذا تجاوزنا أمر مبعوثي قريش للنجاشي، وأياُ من كان الأمر فعمرو بن العاص محاورًا أساسيًا ومتحدثًا رسميًا باسم قريش، لفت نظرنا - في فقه المراتوي - كيف تحول هذا الحماس من عمرو، والدفاع بكل ما أوتي من فصاحة وقوة حجة ضد الإسلام والمسلمين، إلى رجل آخر يستهويه الإسلام ويعجب بثبات المسلمين وأخلاقهم، ويلفت نظره منطق النجاشي وعدل إسلامه حتى يتحول إلى عنصر فاعل من عناصر الإسلام، وتكون الرحلة للحبشة والمحادثة مع النجاشي والمسلمين بداية الهداية والدخول في الإسلام، وهنا سرُّ العظمة في هذا الدين، ومكمن القوة في أخلاق المسلمين إذا صدقوا وتجردوا - وإذا كان الحديث عن إسلام عمرو وسيأتي في مكانه - فالأمر الذي ينبغي ألا ينسى في هذا الحوار - كيف كان له أثره الخفي على نفسية عمرو وما زال يعتمل في عقله وإن شارك قومه الأحداث الواقعة والصراع الدامي مع المسلمين وفي كل مرة يُمنّي نفسه ويسائلها،.. حتى جاء اليوم الذي أعلن فيه عمرو إسلامه، واختار أو اختار الله أرض الحبشة لتكون بداية إسلامه ولتشهد على قوة أثر الإسلام وإن كان أهلها مهاجرين غرباء؟

استقبال النجاشي للمسلمين.

أما استقبال النجاشي للمسلمين فهو نموذج للحكمة والعقل والعدل فلم يأخذ المسلمين بالظنة والوشاية، ولم تحجيه الهدايا عن التبصر في حقيقة الأمر ولم يؤثر رأي البطارقة المرتشين في الحكم عاجلًا على الأجمهرين، وفي الوقت نفسه لم يأنف حديث القرشيين أو يستعجل ردهم وهداياهم مقبوحين وعن طبيعة الحوار، ونوع الاستقبال الذي قابل ب النجاشي الوفدين سأعتمد على رواية أم سلمة رضي الله عنها - رغم طولها - أساسًا فهي أشمل من غيرها، ثم أضيف إليها ما في المرويات الأخرى من زيادات أو إيضاح، مع وقفات عند فقه هذه المرويات.

حديث أم سلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت