فهرس الكتاب
إن التائب منكسر القلب، غزير الدمعة، حي الوجدان، قلق الأحشاء، صادق العبارة، جم المشاعر، جياش الفؤاد، مشبوب الضمير، خلي من العجب.. فقير من الكبر.. مُقل من الدعاوى، التائب بين الرجاء والخوف، بين السلامة والعطب، بين النجاة والهلاك، التائب في قلبه حرقة، وفي وجدانه لوعة، وفي وجهه أسى، في دمعه أسرار، يعرف معنى الهجر والوصال.. يعرف معنى الوصال واللقاء يعرف التائب يفرق بين اللقاء والفراق. التائب بين الإقبال والإعراض مُجرب ذاق العذاب في البعد عن الله.. وذاق النعيم حين اقترب من حب الله.
التائب له في كل واقعة عبرة.. إذا رأى جمعًّا ذكر القيامة.. وإذا رأى مذنبًا لكى عليه خوفًا من ذنوبه.. إذا رأى نعيمًا خاف أن يحرم الجنة.. إذا رأى نارًا ظن أنه مواقعها.
التائب.. إذا هدل الحمام بكى، وإذا صاح الطير ناح.. وإذا شدا البلبل تذكر، وإذا لمع البرق اهتز قلبه خوفًا مِمَّن يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.
التائب يجد للطاعة حلاوة.. يجد للعبادة طلاوة.. يجد للإيمان طعمًا.. يجد للإقبال لذة..!
التائب يكتب من الدموع قصصًا، وينظم من الآهات أبياتًا، ويؤلف من البكاء خطابًا. التائب كالأم اختلس منها طفلها ثم اختلست طفلها من يد الأعداء أتدري كم فرحتها؟ أتقدر سعادتها؟
التائب كالغائص في البحر إذا نجا من اللجة إلى الشاطئ بعد أن آيس من النجاة.
التائب كالعقيم بُشر بولد. التائب كالرجل البارز للإعدام ثم عفى عنه.. التائب أعتق رقبته من أسر الهوى، أطلق قلبه من سجن المعصية.. التائب فك روحه من شباك الجريمة، أخرج نفسه من كبر الخطيئة.. التائب كالطائر الجريح لا يختال.. كالقمر الكاسف لا يتكلم كالنجم الغابر لا يصيح.
لو رأيت التائب لرأيت جفنًا مقروحًا تبصره في الأسحار على باب الاعتذار مطروحًا، سمع قول الإله يوحي فيما يوحى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا } [التحريم: 8] .