فهرس الكتاب
إننا نمتلك إنقاذ البشرية من ويلات الجاهلية وحربها المشبوبة في شتى الصور والألوان. ولكننا لا نملك إنقاذ البشرية، قبل أن ننقذ نحن أنفسنا، وقبل أن نفيء إلى ظلال السلام، حين نفيء إلى رضوان الله، ونتبع ما ارتضاه. فنكون من هؤلاء الذين يقول الله عنهم إنه يهديهم سبل السلام.
والجاهلية كلها ظلمات ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات، وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه، وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى، والوحشة من الجانب الآمن المأنوس. وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين. والنور هو النور.. هو ذلك النور الذي تحدثنا عنه آنفًا في الضمير وفي العقل وفي الكيان وفي الحياة وفي الأمور..
"وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"
مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها التي تحكمها. مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه التي تصرفه. مستقيم إلى الله لا يلتوي ولا تلتبس فيه الحقائق والاتجاهات والغايات) (26) .
ولا يتبين ما في هذا الدين من رحمة وأمن وسلام، وخير للبشرية إلا حينما نستعرض وضع البشرية المنكودة، وما عاشته من تيه وركام قبل مجيء الإسلام، وكذلك حال الأمم الكافرة في واقعنا المعاصر، وما هي عليه من نكد وحيرة واضطراب وشقاء وعناء، وظلم وشريعة غاب يأكل فيها القوي الضعيف، ويعيش الناس فيها عيشة البهائم العجماوات. يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: (جاء الإسلام ، وفي العالم ركام هائل، من العقائد والتصورات، والفلسفات والأساطير، والأفكار والأوهام، والشعائر والتقاليد، والأوضاع والأحوال. يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف، والدين بالخرافة، والفلسفة بالأسطورة. والضمير البشري- تحت هذا الركام الهائل- يتخبط في ظلمات وظنون، ولا يستقر منها على يقين. والحياة الإنسانية- بتأثير هذا الركام الهائل- تتخبط في فساد وانحلال، وفي ظلم وذل، وفي شقاء وتعاسة؛ لا تليق بالإنسان، بل لا تليق بقطيع من الحيوان!