الصفحة 125 من 249

وكان التيه الذي لا دليل فيه، ولا هدى ولا نور، ولا قرار ولا يقين هو ذلك التيه الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها وصفاته، وعلاقته بالكون وعلاقة الكون به، وحقيقة الإنسان، ومركزه في هذا الكون، وغاية وجوده الإنساني، ومنهج تحقيقه لهذه الغاية، ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص. ومن هذا التيه، ومن ذلك الركام كان ينبعث الشر كله في الحياة الإنسانية، وفي الأنظمة التي تقوم عليها...

والذي يراجع ذلك الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله - سبحانه- وفي صفاته. وفي علاقته بالخلق وعلاقة الخلق به؛ ذلك الجهد الذي تمثله النصوص الكثيرة- كثرة ملحوظة- في القرآن المكي بصفة خاصة، وفي القرآن كله على وجه العموم.

الذي يراجع ذلك الجهد المتطاول، دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل، في ذلك التيه الشامل، الذي كانت البشرية كلها تخبط فيه؛ والذي ظلت تخبط فيه أيضًا كلما انحرفت عن منهج الله أو صدت عنه، واتبعت السبل. فتفرقت بها عن سبيله الواحد المستقيم.

الذي يراجع ذلك الجهد ، دون أن يراجع ذلك الركام، قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر في القرآن؛ وإلى كل هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير وكل مسالك الحياة.

ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد، كما تكشف عن عظمة الدور الذي جاءت هذه العقيدة لتؤديه في تحرير الضمير البشري وإعتاقه، وفي تحرير الفكر البشري وإطلاقه؛ وفي تحرير الحياة. والحياة تقوم على أساس التصور الاعتقادي كيفما كان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت