الصفحة 150 من 249

وستشهد البشرية في مستقبلها القريب من ألوان الخيانة والغدر، ومن صنوف الوحشية والبربرية ما يتفق مع روح هذه الحضارة المادية الكافرة، التي لا تؤمن بدين ولا خلق، ولا تقيد نفسها بمبدأ ولا ضمير، مما يتمشى مع الفكرة المادية الغليظة التي تسيطر على هذه الحضارة، فتنفي من الحياة كل عنصر غير المصلحة المباشرة والعنصرية اللئيمة...

والسماحة الإنسانية، عنصر هام لإقرار السلام، تفقده كل الحضارات التي تُظلل العالم اليوم. هذا العالم الذي تمزقه العصبيات الدينية، والعصبيات العنصرية، والعصبيات المذهبية، ويقف على شفا جرفٍ هار بسبب تلك العصبيات الذميمة، التي تنقصها روح السماحة الإنسانية، وروح العدالة الحقيقية، والتي تنطلق وفي إثرها الأحقاد والحزازات، والمطامع الاقتصادية وغير الاقتصادية، فتحيل الحياة البشرية جحيمًا في الحرب وجحيمًا في السلم، وتنشر فيه المجاعات والمخاوف؛ وتقف الأمم بعضها من بعض موقف الحذر الدائم والقلق الدائم، وتثقل على أعصاب الناس فتصيبهم بالضغط العصبي والدموي، وتدعهم في تربص بأنفسهم وسواهم، وفي ذعر لا أمن فيه، وحقد لا سلام فيه، وظلمة لا بصيص فيها. ومع هذا كله، تجد تلك الحضارات البائسة معجبين ومدافعين . وهي تسوم البشرية شقاء بعد شقاء، وحربًا بعد حرب، وبلاء بعد بلاء. لماذا؟ لأنها تملك تسخير الحديد والنار والكهرباء والبخار، وتملك صنع القنبلة الذرية والقنبلة الهيدروجينية والأقمار الصناعية، ولا تملك ذرة واحدة من ذرات المحبة ولا عنصرًا واحدًا من عناصر السماحة، ولا طاقة واحدة من طاقات الإنسانية!

ألا إنه المسخ الذي يصيب الروح البشرية في عصر الظلام الروحي والانتكاس. وما هنالك من بلسم يمس هذه الروح فيشفيها، وما هنالك من شعاع يضيء ظلماتها وخوافيها، إلا أن يقود الإسلام البشرية مرة أخرى، فيردها إلى السماحة الإنسانية، ويحيل كشوفها وعلومها أداة رحمة وحضارة وسلام) (38) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت