الصفحة 149 من 249

? وكان من آخر وصاياه رضي الله عنه لمن يخلفه من بعده قوله: «وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم» .

? ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن وعسكر أبو عبيدة في فحل، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: «يامعشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا. ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا» . وغلق أهل حمص أبواب منازلهم دون جيش هرقل، وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم، وعدلهم أحب إليهم من ظلم الإغريق وتعسفهم.

فإذا نحن ألقينا من هذه القمة الشامخة التي يقف عليها الإسلام في سلمه وحربه، نظرة على المستنقع الآسن الذي تلغ فيه الحضارة الغربية سلمًا وحربًا، أدركنا بُعْد الشقة بين نظام ينزله الله للبشر، ونظام يضعه الناس للناس. وأدركنا كم خسرت البشرية يوم تنكرت لنظام الله. وهي تتعثر في تكبر مضحك وفي تعالم مضحك، تريد أن تقول: إنها تريد لنفسها خيرًا مما أراد الله، وإنها تملك لنفسها خيرًا مما أعطاها الله!

وستظل هذه البشرية تطلع في طريق كلها منحدرات وآكام؛ وتلغ في كل مستنقع آسن من صنع الحضارة الكافرة المغرورة الضالة عن الله. إلى أن يتسلم الإسلام الزمام، فيقود البشرية الحائرة إلى مثابة العدل والنظام والسلام.

ولقد شهدت البشرية في الحقبة التي سيطرت فيها أوربا مُثُلًا من عهود الغابة، وصورًا من شرائع الذئاب. شرائع الغدر والنفاق والخسة، ونقض العهود، وخيانة الوعود، وتمزيق الاتفاقيات، ووصف المعاهدات بأنها قصاصات من الورق. كما شهدت من وحشية الحرب ما تخجل الوحوش أن تأتيه. وكان آخر هذه الوحشية السافرة قنبلتا هيروشيما وناجازاكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت