الصفحة 65 من 249

فإذا تمكن من ذلك انفتح في قلبه عين أخرى، يشاهد بها صفات الرب جل جلاله، حتى تصير لقلبه بمنزلة المرئي لعينه، فيشهد علو الرب سبحانه فوق خلقه، واستواءه على عرشه، ونزول الأمر من عنده بتدبير مملكته، وتكليمه بالوحي، وتكليمه لعبده جبريل به، وإرساله إلى من يشاء بما يشاء، وصعود الأمور إليه، وعرضها عليه.

فيشاهد قلبه ربًا قاهرًا فوق عباده، آمرًا ناهيًا باعثًا لرسله، منزلًا لكتبه، معبودًا مطاعًا، لا شريك له ولا مثيل، ولا عدل له، ليس لأحد معه من الأمر شيء، بل الأمر كله له، فيشهد ربه سبحانه قائمًا بالملك والتدبير، فلا حركة ولا سكون، ولا نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا قبض ولا بسط إلا بقدرته وتدبيره، فيشهد قيام الكون كله به، وقيامه سبحانه بنفسه، فهو القائم بنفسه، المقيم لكل ما سواه.

فإذا رسخ قلبه في ذلك شهد الصفة المصححة لجميع صفات الكمال، وهي «الحياة» التي كمالها يستلزم كمال السمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام، وسائر صفات الكمال، وصفة «القيومة» الصحيحة المصححة لجميع الأفعال، فالحي القيوم: من له كل صفة كمال، وهو الفعال لما يريد.

فإذا رسخ قلبه في ذلك فُتح له مشهد «القرب» و «المعية» فيشهده سبحانه معه، غير غائب عنه، قريبًا غير بعيد، مع كونه فوق سماواته على عرشه، بائنًا من خلقه، قائمًا بالصنع والتدبير، والخلق والأمر، فيحصل له- مع التعظيم والإجلال- الأنس بهذه الصفة، فيأنس به بعد أن كان مستوحشًا، ويقوى به بعد أن كان ضعيفًا، ويفرح به بعد أن كان حزينًا. ويجد بعد أن كان فاقدًا، فحينئذ يجد طعم قوله: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت