الصفحة 66 من 249

فأطيب الحياة على الإطلاق حياة هذا العبد، فإنه محب محبوب، متقرب إلى ربه، وربه قريب منه، قد صار له حبيبه لفرط استيلائه على قلبه، ولهجه بذكره، وعكوف همته على مرضاته، بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله، وهذه آلات إدراكه وعمله وسعيه، فإن سمع سمع بحبيبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به) (4) .

ويصف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى شعوره بالأمن النفسي والسعادة التي يعيشها وذلك في رسالة إلى أصحابه يخبرهم فيها عن هذه النعمة ومنشئها فيقول:

(بسم الله الرحمن الرحيم:"وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"، والذي أُعرِّف به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا وفي الآخرة، وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة؛ فإني -والله العظيم الذي لا إله إلا هو- في نعم من الله ما رأيت مثلها في عمري كله، وقد فتح الله سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته مالم يكن بالبال؛ ولا يدور في الخيال ما يصل الطرف إليها، يسرها الله تعالى حتى صارت مقاعد، وهذا يعرف بعضها بالذوق من له نصيب من معرفة الله وتوحيده وحقائق الإيمان...

فإن اللذة والفرحة والسرور، وطيب الوقت، والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى، وتوحيده والإيمان به، وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية، كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول فيها: إن كان أهل الجنة في هذه الحال إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: لتمر على القلب أوقات يرقص فيها طربًا، وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة...

وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالاعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله، وهي ملة إبراهيم الخليل - عليه السلام- وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت