فهرس الكتاب
والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه- والإله هو المعبود، الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والاكرام، والخوف والرجاء، يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه، ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه. وبطاعته عن طاعة ما سواه- حلاه الله بالأمن والسرور، والحبور، والرحمة للخلق، والجهاد في سبيل الله؛ فهو يجاهد ويرحم. له الصبر والرحمة، قال الله تعالى:"وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ"، وكلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته، وتوكله، ويقينه) (5) .
ويتحدث سيد قطب رحمه الله تعالى عن الأمن النفسي عند قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً" [البقرة:208] فيقول: (والمسلم حين يستجيب هذه الاستجابة يدخل في عالم كله سلم وكله سلام. عالم كله ثقة واطمئنان، وكله رضى واستقرار. لا حيرة ولا قلق، ولا شرود ولا ضلال. سلام مع النفس والضمير. سلام مع العقل والمنطق. سلام مع الناس والأحياء. سلام مع الوجود كله ومع كل موجود. سلام يرف في حنايا السريرة. وسلام يظلل الحياة والمجتمع. سلام في الأرض وسلام في السماء.
وأول ما يفيض هذا السلام على القلب يفيض من صحة تصوره لله ربه، ونصاعة هذا التصور وبساطته.. إنه إله واحد. يتجه إليه المسلم وجهة واحدة يستقر عليها قلبه؛ فلا تتفرق به السبل، ولا تتعدد به القبل؛ ولا يطارده إله من هنا وإله من هناك- كما كان في الوثنية والجاهلية- إنما هو إله واحد يتجه إليه في ثقة وفي طمأنينة وفي نصاعة وفي وضوح.
وهو إله قوي قادر عزيز قاهر.. فإذا اتجه إليه المسلم فقد اتجه إلى القوة الحقة الوحيدة في هذا الوجود. وقد أمن كل قوة زائفة واطمأن واستراح. ولم يعد يخاف أحدًا أو يخاف شيئًا، وهو يعبد الله القوي القادر العزيز القاهر. ولم يعد يخشى فوت شيء، ولا يطمع في غير من يقدر على الحرمان والعطاء.