الصفحة 6 من 21

أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فقد أمِنَ الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته.

وبين الجمع والقصر تلازم، فإن من جاز له القصر جاز له الجمع، ولا عكس.

2 -بأن هذا الجمع الصوري فيه مشقّة، والجمع المقصود منه التيسير على المسافر.

قال الخطابي: ظاهر اسم الجمع عُرفا لا يقع على مَنْ أخّر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها، وعجّل العصر فصّلاها في أول وقتها؛ لأن هذا قد صلّى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها، وإنما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معا في وقت إحداهما. ومعقول أن الجمع بين الصلاتين من الرُّخص العامة لجميع الناس عامهم وخاصّهم، ومعرفة أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يُدركه الخاصة فضلا عن العامة، وإذا كان كذلك كان في اعتبار الساعات على الوجه الذي ذهبوا إليه ما يُبطل أن تكون هذه الرخصة عامة، مع ما فيه من المشقة المُرْبِية [1] على تفريق الصلاة في أوقاتها الموقّتة [2] .

وقال ابن عبد البر: ولا معنى للجمع الذي ذهب إليه أبو حنيفة، ومن قال بقوله؛ لأن ذلك جائز في الحضر بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في طرفي وقت الصلاة:"ما بين هذين وقت"فأجاز الصلاة في آخر الوقت، ولو لم يَجز في السفر من سعة الوقت إلا ما جاز في الحضر بطل معنى السفر ومعنى الرخصة والتوسعة لأجله.

ومعلوم أن الجمع بين الصلاتين في السفر رخصة لمكان السفر وتوسعة في الوقت، كما أن القصر في السفر لم يكن إلا من أجل السفر، وما يُلقى فيه من المشقة في الأغلب، وفي ارتقاب المسافر ومراعاته أن لا يكون نزوله إلا في الوقت الذي عدّه أبو حنيفة مشقة وضيقا لا سعة [3] .

وقال ابن قدامة: الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقا وأعظم حرجا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن الإتيان بكل صلاة في وقتها أوسع من مراعاة طرفي الوقتين بحيث لا يبقى من وقت الأولى إلا قدر فعلها، ومن تدبر هذا وجده كما وصفنا، ولو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب والعشاء والصبح، ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك [4] .

(1) يعني الزائدة.

(2) معالم السنن للخطابي (1/ 228، 229) .

(3) الاستذكار (6/ 20) .

(4) المغني (3/ 129) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت