وقال ابن حجر: الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وهو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع، ومما يَرُدّ الحمل على الجمع الصوري جمع التقديم [1] .
وأُجيب عن القول الثالث - أن الجمع يختص بمن جدّ به السير - بما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك؛ إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإذا ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخّر المغرب حتى ينزل للعِشاء ثم جمع بينهما [2] .
قال ابن قدامة: وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الردّ على من قال: لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جدّ به السير، لأنه كان يجمع وهو نازل غير سائر ماكث في خبائه، يخرج فيصلي الصلاتين جميعا ثم ينصرف إلى خبائه [3] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ظاهر حديث معاذ أنه كان نازلا في خيمة في السفر، وأنه أخّر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل إلى بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل، وأما السائر فلا يقال دخل وخرج بل نزل وركب [4]
وذكر ابن عبد البر حديث ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عَجِل به السير يجمع بين المغرب والعشاء.
ثم قال: ليس في حديث ابن عمر هذا ما يدل على أن المسافر لا يجوز له الجمع بين الصلاتين إلا أن يَجِدّ به السير بدليل حديث معاذ بن جبل؛ لأن فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في سفره إلى تبوك نازلا غير سائر.
وليس في أحد الحديثين ما يعارض الآخر، وإنما التعارض لو كان في حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يجمع بين الصلاتين إلا أن يجدّ به السير فحينئذ كان يكون التعارض لحديث معاذ [5] .
(1) فتح الباري (2/ 676) باختصار.
(2) سبق تخريجه.
(3) المغني (3/ 131) .
(4) مجموع الفتاوى (24/ 64) .
(5) الاستذكار (6/ 15) .