فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 127

إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: «أنا نازل» ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي - صلى الله عليه وسلم - والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: «كم هو؟» فذكرت له قال: «كثير طيب» ، قال: «قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي» ، فقال: قوموا فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم فقال: «ادخلوا ولا تضاغطوا» فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية، قال: «كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة» [1] .

إن بعض القراء من أعزائنا الشباب ربما لا يدركون قيمة المال عند أهله؛ إذ هم يعيشون في كنف أهليهم ويُنْفَق عليهم، أما أولئك فقد كانوا -رضوان الله عليهم- يجودون بالمال وهم لا يجدون إلا القليل، بل ربما بات أحدهم طاويًا وأنفق قوته وقوت عياله في سبيل الله.

فما أجمل أن يربي الشاب نفسه على الجود والإنفاق، والعبرة ليست بمقدار ما ينفق المرء بل بتلك النية الصادقة التي يجود صاحبها بالقليل الذي يتيسر له وهو كثير عند الله الذي لا يضيع أجر المحسنين.

(1) رواه البخاري (4101) ومسلم (2039)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت