فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 48

وتبرز التجربة الشعرية للشاعر (حسن مصطفى الصيرفي) كنموذج مهم ولافت،من حيث مكونات التجربة الجديدة، ومثال على شعرية تقليدية أصيلة..استثمرت جماليات المكان، ونوعت في استلهام تكويناته وبناه في صنيعها الشعري.

وهو ما يمكن اعتباره بنية أساسية في التجربة، تتعالق مع محركاتها الواقعية وتأخذ مكانتها في الوجدان الشعري.

والصيرفي المولود بالمدينة عام 1336هـ والذي نزع منذ بواكير شبابه إلى إستيحاء جماليات البيئة المكانية والاجتماعية بالمدينة المنورة، يصورها شعرا، ويتعالق نصيًا مع مكوناتها وعناصرها الموحية والثرية، ويصبغها بحيوية الحركة اليومية، من خلال وعي اجتماعي وثقافي، تعبر عنه شاعريته المطبوعة، وشعره السلس البسيط في بنائه وتشكيله، ومن ثم يكاد شعره في دواوينه الثلاثة (شبابي) ، و (دموع وكبرياء) ، و (قلبي) [1] ؛ أن يؤسس لرصيد بيئي مكاني شفيف، وجغرافيا اجتماعية تمزج العشق العرفاني، بالوصف الشاعري، وتكون عبر هذا الوصف، دراما حركية (لحياة المكان) ؛ تستجيب لتفاعلاته، وتجاذب أطرافه، كما تستنتج دقائق تكويناته الثاوية في أعماق الشعور الإنساني، والتي تتكشف فحواها الحميمة، من خلال نصوص الصيرفي.

فعندما يصف حي (التاجوري) (أحد أقدم الأحياء الشعبية بالمدينة) ويستقصي أبعاد المكان الجمالية؛ يعطي لتلك الجمالية، شأوها المعمق في الذاكرة الشعرية،التي تستعيد مشاهداتها على نحو عفوي ومباشر،يبعث على التأمل والشجن:

آه سحر زمان التاجوري ... وليالي أيام غروري

ذكراك تجوب دروب دمي ... وتسامر إحساس شعوري

من لي بشفيع يشفع لي ... كي أدخل ( حوش التاجوري)

أمنية كيف يؤملها ... حي من حي مقبور

في ( المحمودية ) كم رقصت ... أغصان البان الطنبوري

ومكينتها تقرع (دن دن ) ... من نقر دفوف الماطور

تمتص الماء طرنبتها ... ليصب (بقف) محجور

في هيئة قوس من ماس ... يتألق في وهج النور

(1) صدر الديوان في طبعته الأولى عن دار الكتاب العربي بالقاهرة، سنة1365هـ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت